علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
166
ثمرات الأوراق
عند حكم عدل ، فيأخذ بثأره ، وأما أنا فغير مخفر ذمّتي ؛ فأخرج عنّي فلست آمن عليك من نفسي ، فأعطاني ألف دينار فلم آخذها منه ، وانصرفت عنه . فهذا أكرم رجل رأيته بعد أمير المؤمنين « 1 » . * * * خزيمة بن بشر وعكرمة الفياض ومن لطائف ما نقلته من المستجاد ما حدّث به أبو الحسن [ علي ] « 2 » بن صالح البلخيّ بمصر ، قال : أخبرني بعض عمال شيوخنا ، عن شيبة بن محمد الدّمشقيّ قال : كان في أيّام سليمان بن عبد الملك رجل يقال له خزيمة بن بشر ، من بني أسد ، مشهور بالمروءة والكرم والمواساة ، وكانت نعمته وافرة ؛ فلم يزل على تلك الحالة حتى احتاج إلى إخوانه الّذين كان يواسيهم ويتفضّل عليهم ، فواسوه حينا ثم ملّوه ، فلمّا لاح له تغيّرهم ، أتى امرأته - وكانت ابنة عمه - فقال لها : يا بنت العمّ : قد رأيت من إخواني تغيّرا ، وقد عزمت على لزوم بيتي إلى أن يأتيني الموت ، ثم أغلق بابه عليه ، وأقام يتقوّت بما عنده حتى نفد ، وبقي حائرا في حاله . وكان عكرمة الفيّاض واليا على الجزيرة ؛ فبينما هو في مجلسه ، وعنده جماعة من أهل البلد ، إذ جرى ذكر خزيمة بن بشر ، فقال عكرمة : ما حاله ؟ فقالوا : صار في أسوأ الأحوال ، وقد أغلق بابه ، ولزم بيته . فقال عكرمة الفياض - وما كان سمّي الفياض إلا للإفراط في الكرم : فما وجد خزيمة بن بشر مواسيا ولا مكافئا ! فقالوا : لا . فأمسك عن ذلك . فلمّا كان الليل عمد إلى أربعة آلاف دينار ، فجعلها في كيس واحد ، ثم أمر بإسراج دابّته ، وخرج سرّا من أهله ، فركب ومعه غلام واحد يحمل المال ، ثم سار حتى وقف بباب خزيمة ، فأخذ الكيس من الغلام ثم أبعده عنه ، وتقدّم إلى الباب فطرقه بنفسه فخرج خزيمة ، فقال له : أصلح بهذا شأنك ، فتناوله فرآه ثقيلا ، فوضعه ، وقبض على لجام الدابة ، وقال له : من أنت جعلت فداءك ؟ قال له : ما جئتك في هذا الوقت وأنا أريد أن تعرفني ، قال خزيمة : فما أقبله أو تخبرني من أنت ؟ قال : أنا جابر عثرات الكرام . قال : زدني قال : لا ثم مضى . ودخل خزيمة بالكيس إلى امرأته فقال لها : أبشري فقد أتى اللّه بالفرج ، فلو كان في هذا فلوس لكانت كثيرة ، قومي فأسرجي ، قالت : لا سبيل إلى السّراج ، فبات
--> ( 1 ) المستجاد : 33 ، 34 . ( 2 ) زيادة من المستجاد .