علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
165
ثمرات الأوراق
يوجب المبالغة في إكرامك ، وسلّم إليه دار الجندي بما فيها ، وخلع عليه ، وأنعم عليه برزقه وزيادة ألف دينار في كلّ سنة ، ولم يزل في تلك النّعمة إلى أن مات « 1 » . * * * أكرم رجل بعد أمير المؤمنين ومما يضارع ذلك أنه لمّا أفضت الخلافة إلى بني العباس اختفى رجال بني أمية ، ومنهم إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك - وكان إبراهيم رجلا عالما [ عاملا ] « 2 » أديبا كاملا ، وهو في سنّ الشّبيبة - فأخذوا له أمانا من السّفّاح ، فقال له يوما : حدّثني عمّا مرّ بك في اختفائك ، قال : كنت يا أمير المؤمنين مختفيا بالحيرة في منزل شارع « 3 » على الصّحراء ، فبينما أنا على ظهر البيت ؛ إذ نظرت إلى أعلام سود قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة ، فتخيّلت أنها تريدني ، فخرجت من الدّار متنكّرا ، حتى أتيت الكوفة ، ولا أعرف أحدا أختفي عنده ، فبقيت في حيرة « 4 » ، فإذا أنا بباب كبير ، ورحبة واسعة ، فدخلت فيها فإذا رجل وسيم حسن الهيئة على فرس قد دخل الرحبة ، ومعه جماعة من غلمانه وأتباعه ، فقال : من أنت ؟ وما حاجتك ؟ فقلت : رجل خائف على دمه ، وقد استجار بمنزلك . فأدخلني منزله ، ثم صيّرني في حجرة تلي حرمه . وكنت عنده في كلّ يوم على ما أحبّه من مطعم ومشرب وملبس ؛ ولا يسألني عن شيء من حالي ؛ إلّا أنه يركب في كلّ يوم مركبه ؛ فقلت له يوما : أراك تدمن الركوب ، ففيم ذلك ؟ قال : إبراهيم بن سليمان قتل أبي صبرا « 5 » ، وقد بلغني أنه مختف في الحيرة ، فأنا أطلبه لأدرك منه ثأري ؛ فكثر واللّه تعجّبي ، وقلت : القدر ساقني إلى حتفي في منزل من يطلب دمي ، وكرهت الحياة . فسألت الرّجل عن اسمه واسم أبيه ، فأخبرني ، فعلمت أنّ الخبر صحيح وأنا الذي قتلت أباه ، فقلت له : يا هذا ، قد وجب عليّ حقّك ، ومن حقّك أن أدلّك على خصمك ، وأقرّب لك الخطوة ، قال : وما ذاك ؟ قلت : أنا إبراهيم بن سليمان قاتل أبيك ، فخذ بثأرك ، فقال : إني أحسبك رجلا أمضّه الاختفاء ، فأحببت الموت ، فقلت : لا واللّه ، ولكن أقول لك الحقّ ، لقد قتلته يوم كذا وبسبب كذا وكذا . فلمّا علم صدقي تغيّر لونه ، واحمرّت عيناه ، وأطرق مليّا ، ثم قال : أما أنت فستلقى أبي
--> ( 1 ) الخبر في المستجاد 74 - 85 . ( 2 ) من ط . ( 3 ) شارع على الصحراء ، أي مفض إليها . وفي المستجاد : « شارف » أي مطل . ( 4 ) المستجاد : « فبقيت متلددا » أي حائرا . ( 5 ) صبرا ، أي حبس حتى مات .