علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
156
ثمرات الأوراق
الإرسال إليها إذا انقضت عدّتها « 1 » وقد أتى اللّه بك ، فاخطب على بركة اللّه عليّ وعليه ، وهي أمانة في عنقك ، وأعطها من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه ؛ فقال : أفعل إن شاء اللّه . فلمّا دخل عليها ، قال : أيّتها المرأة : إنّ اللّه خلق الأمور بقدرته ، وكوّنها بعزّته ، وجعل لكلّ أمر قدرا ، ولكلّ قدر سببا ، فليس لأحد عن قدر اللّه مخلص « 2 » ، فكان ما سبق لك ، وقدّر عليك من فراق عبد اللّه بن سلام على غير قياس ، ولعلّ ذلك لا يغيّرك ، ويجعل اللّه فيه خيرا كثيرا ، وقد خطبك أمير هذه الأمّة وابن ملكها ووليّ عهده والخليفة من بعده يزيد بن معاوية ، والحسين ابن بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وابن [ أوّل ] « 3 » من أقرّ به من أمته ، وسيّد شباب أهل الجنّة ، فاختاري أيّهما شئت . فسكتت « 4 » طويلا ثمّ قالت : يا أبا الدّرداء ، لو جاءني هذا الأمر وأنت غائب لأشخصت فيه الرّسل إليك ، واتّبعت فيه رأيك ، فأمّا إذ كنت أنت المرسل ، فقد فوّضت أمري فيه بعد اللّه إليك ، وجعلته في يديك ؛ فاختر لي أرضاهما لربّك ؛ واللّه شاهد عليك ، فاقض ولا يصدّنّك عن ذلك اتّباع الهوى ، فليس أمرهما عليك خفيّا . فقال أبو الدّرداء : أيّتها المرأة ، إنّما عليّ إعلامك ولك الاختيار لنفسك ، فقالت : عفا اللّه عنك ! إنّما أنا بنت أخيك ، ولا يمنعك أحد من قول الحقّ فيما طوّقتك به ، فقد وجب عليك أداء الأمانة . فلم يجد بدّا من القول ، فقال : يا بنيّة ؛ ابن بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أحبّ إليّ في ذلك ، وأرضى عندي ، واللّه أعلم بخيرهما لك ، وقد رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واضعا شفتيه على شفتي الحسين ؛ فضعي شفتيك حيث وضع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شفتيه . قالت : قد اخترته ورضيته ؛ فتزوّجها الحسين بن عليّ عليهما السّلام ، فساق لها مهرا عظيما . وبلغ معاوية ما فعله أبو الدّرداء فعظم عليه ، وقال : من يرسل ذا بله وعمى ركب خلاف ما يهوى . وكان عبد اللّه بن سلام قد استودعها قبل فراقه إيّاها ذهبا ، وكان معاوية قد اطّرحه ، وقطع عنه جميع روادفه لقوله إنّه خدعه حتى طلّق امرأته ، فلم يزل يجفوه حتى قلّ ما بيده . فرجع إلى العراق ، فلمّا قدمها لقي الحسين فسلّم عليه ثم قال : لقد علمت ما كان من خبري وخبر أرينب ، وكنت قبل فراقي إيّاها استودعتها مالا ، وكان الذي كان ولم أقبضه ، واللّه إنّ ظنّي بها جميل ، فذاكرها في أمري ، فإنّ اللّه يجزيك به أجرك .
--> ( 1 ) ب : « مدتها » . ( 2 ) ب : « خلاص » . ( 3 ) من ب . ( 4 ) ب : « فبكت » .