علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

157

ثمرات الأوراق

فسكت عنه ، فلمّا انصرف إلى أهله ، قال لها : قدم عبد اللّه بن سلام ، وهو كثير الثّناء عليك في دينك وحسن صحبتك ؛ فسرّني ذلك وأعجبني ، وذكر أنّه استودعك مالا ؛ فقالت : صدق ، استودعني مالا لا أدري لمن هو ، وإنّه لمطبوع عليه بخاتمه ، وها هو ذا فادفعه إليه بطابعه . فأثنى عليها الحسين خيرا ، وقال : ألا أدخله عليك حتى تتبرّئي إليه منه . ثم لقي عبد اللّه ، فقال : ما أنكرت مالك ، وزعمت أنّه كما دفعته إليها بطابعك ، فادخل يا هذا إليها ، واستوف مالك منها بحيث تحصل البراءة من الطّرفين . فلمّا دخل عليها ، قال لها الحسين : هذا عبد اللّه بن سلام قد جاء يطلب وديعته ، فأخرجت إليه البدر « 1 » ؛ فوضعتها بين يديه ، وقالت له : هذا مالك ؛ فشكر وأثنى . فخرج الحسين عنهما ، وفضّ عبد اللّه خواتم بدره ، وحثا « 2 » لها من ذلك جانبا كبيرا ، وقال لها : واللّه هذا قليل منّي . فاستعبرا حتى علت أصواتهما بالبكاء على ما ابتليا به ، فدخل الحسين عليهما وقد رقّ لهما ، ثم قال : أشهد اللّه أنها طالق ثلاثا ، اللّهمّ أنت تعلم أنّني لم أستنكحها رغبة في مالها ولا في جمالها ، ولكنّي أردت إحلالها لزوجها . فطلّقها ولم يأخذ شيئا مما ساق لها في مهرها بعدما عرضته عليه ، وقال : الذي أرجوه من الثّواب خير لي . فلمّا انقضت عدّتها تزوّجها عبد اللّه بن سلام ، وعادا إلى ما كانا عليه من حسن الصّحبة إلى أن فرّق الموت بينهما . هكذا نقله ابن بدرون في تاريخه واللّه أعلم « 3 » . * * * عفاف ومروءة ومن غرائب المنقول وعجائبه عن الأمير بدر الدين أبي المحاسن يوسف المهمندار المعروف بمهمندار « 4 » العرب أنّه قال : حكى لي الأمير شجاع الدين محمد الشّيرازي متولّي القاهرة في الأيام الكامليّة سنة ثلاثين وستمائة قال : بتنا عند رجل

--> ( 1 ) البدر : جمع بدرة وهي كيس فيه ألف أو عشرة آلاف . ( 2 ) حثا له : أعطاه . ( 3 ) هو أبو مروان عبد الملك بن عبد اللّه بن بدرون الحضرمي الأشبيلي ثم السبتي ، من أدباء القرن السادس الهجري ، وشارح قصيدة ابن عبدون الرائية ، التي رثى بها ملوك بني الأفطس ؛ والخبر في هذا الشرح ص 171 - 180 . ( 4 ) المهمندار : هو الذي يتلقى الرسل والعربان الواردين على السلطان ، وينزلهم دار الضيافة ، ويتحدث في القيام بأمرهم . ( صبح الأعشى 4 : 22 ، 5 : 459 ) .