علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
144
ثمرات الأوراق
من المشايخ ؛ فإنّ سابور توجّه نحو بلاد الرّوم ، واستصحب وزيرا كان له ولأبيه من قبله - وكان من أدهى النّاس في الحزم وسداد الرأي واختلاف الأديان ولغاتها ، وكان من المتبحّرين في العلوم والمبرّزين بالمكائد - فسلّم إليه سابور جميع ما يحتاج إليه في سفره ، وأمره ألّا يتجاوز في السّير ، ولا يبعد عنه بحيث يراعي جميع أحواله في ليله ونهاره . فتوجّها نحو الشام ، ولبس ذلك الوزير زيّ الرّهبان ، وتكلّم بلسانهم ، وتحرّف صناعة الطّبّ الجراحيّ - وكان معه الدّهن الصّينيّ الّذي إذا دهنت به الجراحات ختمت بسرعة واندملت - فكان ذلك الوزير في مسيره نحو بلاد الرّوم يداوي الجراحات بأدوية يضيف إليها يسيرا من ذلك الدّهن ، فتبرأ بسرعة ، وإذا عني بأحد من ذوي الأقدار داواه بذلك الدّهن صرفا فيبرأ على الفور ، ولا يأخذ على ذلك أجرة ، فانتشر ذكره في بلاد الرّوم ، وعقدت عليه الخناصر ، وأقبل عليه النّاس ، وكان مع انفراده عن سابور يراعي جميع أحواله ، فلم يزالا كذلك حتّى طافا جميع الشّام ، وقصدا القسطنطينيّة فقدماها ، فذهب الوزير إلى البطرك - وتفسير هذا الاسم أبو الآباء - فاستأذن عليه فأذن له ، وسأله عن قصده ؛ فأخبره أنّه هاجر إليه ليتشرّف بخدمته ، ويدخل في أتباعه ، ثم أهدى إليه هديّة نفيسة ، حسن موقعها من البطرك ، فقرّبه وأكرمه ، وأحسن نزله ، وألحقه ببطانته ، واختبره فوجده عالما بدينهم بل مبرّزا ، فأعجب به غاية الإعجاب . وجعل الوزير يتأمّل أحوال البطرك ليصبحه بما يلائمه ، ويتّفق عنده ، فوجده مائلا إلى الفكاهات ، معجبا بنوادر الأخبار - وكان الوزير في ذلك غاية - فأخذ يتحفه بكلّ نادرة غريبة وملحة عجيبة ، فصار البطرك لم يطق عن الوزير صبرا ؛ لأنّه حلا لعينه ، وحلّ بقلبه ، وجعل الوزير مع ذلك يعالج الجراحات ، ولا يأخذ على ذلك عوضا ، فعظم قدره في النّاس ؛ هذا وهو يتعاهد أحوال سابور في كلّ وقت إلى أن صنع قيصر وليمة ، وحضر النّاس إليها على طبقاتهم ، فأراد سابور حضورها ليطّلع على أحوال قيصر ، وعلى رتبته في قصره وعظم وليمته ، فنهاه وزيره عن ذلك ، فعصاه وتزيّا بزيّ ظنّ أنّه يستتر به ، ودخل دار قيصر مع من حضر الوليمة . وكان قيصر من شدّة احتراسه من سابور ، وخيفة من أن يطرق بلاده ، وتحسّن له همّته العالية وحدّة الشّبيبة ذلك ، صوّر سابور في مجلسه ، وعلى ستور بيته وعلى فرشه ، وفي آلات أكله وشربه . ولمّا دخل سابور يوم الوليمة ، واستقرّ في مجلسه ، وأكل مع من حضر ، أتوا بالشرب في كؤوس البلّور والذّهب والفضّة والزّجاج المحكم . وكان في المجلس رجل من حكماء الرّوم ودهاتهم ، فلمّا وقعت عينه على سابور أنكره ، وجعل يتأمّل