علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
145
ثمرات الأوراق
شخصه ، فرأى عليه مخايل الرّياسة ، ولمّا زاد في تأمّله وصل إليه دور الكأس ، فتأمل الصورة التي على الكأس وراجع النظر في سابور ، فما شكّ أنّ الصّورة التي على الكأس وضعت على مثاله ؛ وغلب على ظنّه أنّه سابور ، فأمسك الكأس في يده إمساكا طويلا ، ثمّ قال رافعا صوته : إنّ هذه الصّورة التي على هذه الكأس تخبرني إخبارا عجيبا ، فقيل له : وما الّذي تخبرك ؟ فقال : تخبرني أنّ الذي هي مثال « 1 » له معنا في مجلسنا هذا . ثمّ نظر إلى سابور وقد تغيّر لونه حين سمع مقالته . فحقّق ظنّه . فبلغ ذلك قيصر ، فأدناه وقرّبه وسأله ، فأخبر أنّ سابور معه في مجلسه - وأشار إليه - فأمر قيصر بالقبض عليه ، وقرّب من قيصر فسأله عن نفسه ، فتعلّل بضروب من العلل لم تقبل ، فقال ذلك المتفرّس : أيّها الملك ، لا تقبل قوله ، فإنّه سابور لا محالة ؛ فهدّده قيصر بالقتل ، فاعترف أنّه سابور ، فحبسه قيصر مكرّما ، وأمر أن يعمل له من جلود البقر صورة بقرة ، وتطبق عليها الجلود سبع طبقات ، ويتّخذ لها باب ، وتجعل لها كوّة لأجل المبال ويستقرّ سابور بها ، وتجمع يداه إلى عنقه بجامعة من الذّهب ذات سلسلة يمكنه معها تناول ما يعمل له من طعام وشراب وغير ذلك . فلمّا دخل سابور جوف تلك الصّورة ؛ جمع قيصر جنوده ، واستعدّ لغزو بلاد فارس « 2 » ، ووكّل بسابور وهو داخل البقرة مائة رجل من ذوي البأس والشّدّة يحملونها ، وصرف أمرة إلى المطران ، وهو خليفة البطرك ، فكانت تلك الصّورة تحمل بين يديه ، فإذا نزل المعسكر « 3 » نزلت الصورة التي فيها سابور وسط العسكر ، وضربت عليها قبّة ، وتضرب للمطران قبّة مجاورة لقبّة سابور ، وسار قيصر محتفلا « 4 » بجنوده وعساكره ، وقد عزم على خراب بلاد فارس . ولمّا جدّ السّير قال وزير سابور للبطرك : أيّها الأب ، إنّما استفدت بخدمتك [ والقرب منك ] « 5 » الرّغبة في مصالح الأعمال ، ولا عمل أصلح من تنفيس كربة عن مجهود ، وجرّ منفعة إلى مضطرّ ، وقد علمت اجتهادي في مداواة الجرحى ، وإنّ نفسي تنازعني إلى صحبة الملك قيصر في سفره هذا ؛ فلعلّ اللّه تعالى يستنقذ بي نفسا صالحة ، أو يسوقني إلى مداواة جريح من العسكر ليتقدّم قلبي بهذه المثوبات . فكره البطرك ذلك ، وقال له : قد علمت أنّني لا أستطيع فراقك ساعة ، فكيف تطالبني بالسّفر البعيد ! قال : فلم يزل وزير سابور يتضرّع إلى البطرك إلى أن استحيا
--> ( 1 ) ب : « مثاله » . ( 2 ) ب : « الفرس » . ( 3 ) ب : « العسكر » . ( 4 ) ب : « مختلفا » . ( 5 ) من ب .