علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

120

ثمرات الأوراق

الفتى : لا بدّ من زيادة آخذها منهم ، فقال أبو حنيفة : أيّما أحبّ إليك ، أن ترضى بما بذلوا لك ، وإلا أقرّت المرأة لرجل بدين عليها يزيد على المهر ، ولا يمكنك حملها ، ولا السّفر بها حتى تقضي ما عليها من الدّين ؟ قال فقال الفتى : اللّه اللّه يا إمام ! لا يسمع أحد منهم بذلك ، ثم أجاب وأخذ ما بذلوه من المهر « 1 » . ومنه أن رجلا جاء إلى أبي حنيفة ، وقال : يا إمام ، دفنت مالا من مدة طويلة ، ونسيت الموضع الذي دفنته فيه ، فقال الإمام : ليس في هذا فقه فأحتال لك ، ولكن اذهب فصلّ الليلة إلى الغداة ، فإنّك ستذكره إن شاء اللّه تعالى ؛ ففعل ، فلم يمض إلّا أقل من ربع اللّيل حتى ذكر الموضع الذي فيه ، فجاء إلى أبي حنيفة فأخبره ، فقال : قد علمت أنّ الشيطان لا يدعك تصلّي الليل كلّه ، فهلّا أتممت ليلتك كلّها شكرا للّه تعالى . ومنه أن بعضهم كانت له زوجة جميلة ، وكان يحبّها حبّا شديدا ، وتبغضه بغضا شديدا ، ولم تزل المنافرة بينهما ألبتّة ، فأضجره ذلك ، وطالت مدّة تجرّئها عليه في تغليظ الكلام « 2 » ، فقال لها يوما : أنت طالق ثلاثا بتاتا إن خاطبتني بشيء ، ولم أخاطبك بشيء مثله ، فقالت له في الحال : أنت طالق ثلاثا بتاتا . فأبلس « 3 » الرجل ، ولم يدر ما يجيب ! وخاف في جوابها من وقوع الطلاق ، فأرشد إلى أبي جعفر الطّبريّ ، فأخبره بما جرى ، فقال له : إذا طالبتك بالجواب فقل لها : أنت طالق ثلاثا بتاتا إن أنا طلّقتك ، فتكون قد خاطبتها ووفيت بيمينك . ومنه قيل : إنّ ذا النون المصريّ - رحمه اللّه - كان يعرف الاسم الأعظم ، فقال يوسف بن الحسين : لمّا تحققت عنه ذلك ، قصدت مصر ، وخدمته سنة ، ثم قلت له : رحمك اللّه ، إنّي قد خدمتك ، ووجب حقّي عليك وأشتهي أن تعرّفني اسم اللّه الأعظم ، [ وقد عرفتني ] « 4 » فلا تجد له موضعا مثلي قال : فسكت ولم يجبني ستّة أشهر ، وأومأ إليّ أنّه يعلّمني . ثم أخرج من بيته طبقا ومكبّة ، وقد شدّا بمنديل - وكان ذو النّون يسكن الجيزة - فقال : تعرف فلانا صديقنا من الفسطاط ؟ قلت : نعم . قال : فأحبّ أن تؤدّي هذا إليه ، قال : فأخذت الطبق وهو مشدود ، وجعلت أمشي طول الطريق وأقول : مثل ذي النون يوجّه إلى فلان بهديّه ! ترى أيّ شيء هي ؟ فلم أصبر إلى أن بلغت الجسر ، فحللت المنديل ، ورفعت المكبّة ، فإذا فأرة نفرت « 5 » من

--> ( 1 ) الأذكياء : 47 ، 48 . ( 2 ) ب : « الخطاب » . ( 3 ) أبلس الرجل : سكت وتحير ، والمبلس : الساكت على ما في نفسه . ( 4 ) تكملة من الأذكياء . ( 5 ) ب : « قفزت » .