علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
108
ثمرات الأوراق
وفود أروى بنت الحارث على معاوية قيل إنّ أروى بنت الحارث بن عبد المطلب ، كانت أغلظ الوافدات على معاوية خطابا ، وكان حلم معاوية رضي اللّه عنه أعظم من خطابها ، دخلت عليه وهي عجوز كبيرة ، فلمّا رآها معاوية قال : مرحبا بك يا خالة ! كيف كنت بعدنا ؟ قالت : بخير يا أمير المؤمنين ، لقد كفرت النّعمة ، وأسأت لابن عمك الصّحبة ، وتسمّيت بغير اسمك ، وأخذت غير حقّك من غير دين كان منك ، ولا من آبائك ، ولا سابقة في الإسلام ، بعد أن كفرتم برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأتعس اللّه منكم الجدود ، وأمرغ منكم الخدود ، وردّ الحق إلى أهله ولو كره المشركون ! وكانت كلمتنا هي العليا ، ونبيّنا هو المنصور على من ناوأه ، وكنّا أعظم الناس حظّا ونصيبا وقدرا ، حتى قبض اللّه نبيّه فولّيتم علينا من بعده ، فأصبحتم تحتجّون على سائر العرب بقرابتكم من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ونحن أقرب إليه منكم ، وأولى بهذا منكم ، فكنّا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون ، وكان عليّ رضي اللّه عنه عند نبيّنا محمد صلى اللّه عليه وسلم بمنزلة هارون من موسى ، فغايتنا الجنّة ، وغايتكم النار . فقال لها عمرو بن العاص : كفّي أيّتها العجوز الضّالّة ، وأقصري عن قولك مع ذهاب عقلك ، إذ لا تجوز شهادتك وحدك ، فقالت له : وأنت يا بن الباغية ! تتكلّم وأمّك كانت أشهر بغيّ بمكّة ، وأرخصهنّ أجرة ! وادّعاك خمسة نفر كلّهم يزعم أنّك ابنه ، فسئلت أمّك عن ذلك فقالت : كلّهم أتاني ، فانظروا أشبههم به فألحقوه به ؛ فغلب عليك شبه العاص بن وائل ، فلحقت به . فقال مروان : كفّي أيّتها العجوز ، واقصدي ما جئت له ، فقالت : وأنت أيضا يا بن الزّرقاء ، تتكلّم ! ثم التفتت إلى معاوية فقالت : واللّه ما جرّأ هؤلاء غيرك ، وأمّك القائلة في قتل حمزة عم النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم : نحن جزيناكم بيوم بدر * والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان لي عن عتبة من صبر * ولا أخي وعمّه وبكر سكنت وحشيّا غليل صدري * فشكر وحشيّ عليّ دهري حتّى ترمّ أعظمي في قبري فأجابتها ابنة عمي بقولها : خزيت في بدر وغير بدر * يا بنت جبّار عظيم الكفر فقال معاوية : عفا اللّه عما سلف ! يا خالة هاتي حاجتك . فقالت : مالي إليك حاجة ، وخرجت عنه . وهذه العبارة بنصّها منقولة من العقد لابن عبد ربه رحمه اللّه تعالى « 1 » .
--> ( 1 ) العقد / 2 / 119 - 121 .