عبد الملك الثعالبي النيسابوري
8
التمثيل والمحاضرة
وسرعان ما غدا كاتبا وشاعرا . وهو إن لم يكن في شعره من الطبقة العالية ، فقد كان صاحب نثر جيد ، غلب عليه السجع من غير تكلّف أو غموض . وأهميّة نثره الفنيّ ، لا تعود إلى اشتغاله بحاجات النفوس وشهوات القلوب ونزوات الرجال في صولاتهم وجولاتهم ، والتي برع فيها أيما براعة ، وإنما لكونه اشتغل بتدوين الفنون والآداب والعلوم ، مقدما لأهل عصره وكل عصر من قراء العربيّة غذاء قويا للعقول والمشاعر والأذواق ، ومانحا إياهم فرصة الاطلاع على صور مختلفة للقرائح والعبقريات التي عرفها بنفسه أو سمع أخبارها أو قرأ آثارها في ذلك العصر ، حتى غدا الحافظ الأمين لآثار من سبقوه أو عاصروه ، فنال بذلك شهادة جميع من وقفوا على آثاره في ما بعد . كان الثعالبي رحمه اللّه - يتمتّع بحافظة قويّة وذكاء طيب . وقد استطاع رغم خوضه في شؤون الكتابة والتدوين ، أن يجنح إلى التخصص في كتبه ودراساته . ولذلك كثيرا ما نراه يهرع إلى فن من الفنون ، بل إلى فرع من فروع هذا الفن أو ذاك ، فيجمع مادته وينكبّ عليها دراسة وتمحيصا ، ثم لا يلبث أن يقدّمها للقرّاء في ثوب قشيب من الرفعة والدراية والعناية والسبك والمتانة . ويبدو أن أدب الثعالبي كان رائقا وسائغا في جميع قلوب ونفوس المتأدبين في عصره ، حتى أن أحدا منهم لم يستطع أن ينكر عليه فضله ولم يجرؤ على إغماطه حقه وقدره . لا بل نزل الكثيرين من الأدباء والشيوخ يقرظونه في نجحه ودأبه وعلمه . وكان من بين هؤلاء أبو إسحاق الحصري ( ت : 453 ه ) الذي قال فيه : « وأبو منصور هذا يعيش إلى وقتنا هذا ، وهو فريد دهره وقريع عصره ونسيج وحده . وله مصنفات في القلم والأدب ، تشهد له بأعلى الرتب » . « 1 » وبلغ من حفاوة أبي إسحاق الحصري بالثعالبي ، انه نقل مقدمة كتابه « التمثيل والمحاضرة » في خلال كتابه زهر الآداب . ولم ير حرجا في نقل نصوص كاملة من هذا الكتاب القيم . الذي نحن بصدد تحقيقه وإعادة ضبطه ونشره ، مع كتابه النفيس الآخر وهو بعنوان : « ثمار القلوب في المضاف والمنسوب » .
--> ( 1 ) الحصري : زهر الآداب 127 .