الغزالي
97
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
وعرفته ما ذكره الرشيد من سياسته ، فقال له : هلكت ؛ وحلف أن جميع أسبابه وأملاكه لا يقوم بمائة ألف درهم فمن أين يقوم بتحصيل عشرة آلاف ألف درهم ؟ قال صالح : فقلت له دبر حيلة في أمرك ، فإني لا أقدر أن أمهل ولا أحابي فيما أمر به أمير المؤمنين ؛ فقال : احملني إلى بيتي أودع أولادي وأهلي وصبيتي وأوصي أقاربي . فجعل منصور يودع أهل بيته ، وارتفع في منزله البكاء والاستغاثة والصراخ . قال صالح : فقلت له ربّما يكون لك فرج على أيدي البرامكة ، فامض بنا إليهم ! فأخذ يبكي ويصرخ حتى أتينا يحيى بن خالد ، فقصصت عليه القصة وشرحت عليه ما ناله ، فاغتمّ لذلك وأطرق إلى الأرض ساكتا زمانا ، ثم رفع رأسه ، ثم استدعى خازنه وقال له : كم في خزانتنا من الدراهم ؟ فقال : مقدار ألف ألف درهم ؛ فأمر بإحضارها ، وأنفذ قاصدا إلى الفضل ولده ، فقال للرسول : قل له إنه عرض بيع ضياع جليلة ، فأنفذ ما عندك من الدراهم ! فأنفذ ألفي ألف درهم ؛ وأنفذ بآخر إلى جعفر وقال للرسول : قل له اتفق لنا شغل ونحتاج فيه إلى شيء من الدراهم ؛ فأنفذ جعفر ألفي ألف درهم ، فقال منصور : يا مولاي قد تمسّكت بك وما أعرف خلاصي إلّا منك وإتمام بقية ديني ؛ فأطرق يحيى إلى الأرض وبكى وقال : يا غلام إن أمير المؤمنين هارون الرشيد كان وهب جاريتنا العوادة دنانير جوهرة عظيمة القيمة ، فامض إليها وقل لها تنفذ تلك الجوهرة ، فمضى الغلام وأتى بها إليه ، فقال يحيى : يا صالح أنا ابتعت هذه لأمير المؤمنين من التجّار بمائتي ألف درهم ، ووهبها أمير المؤمنين لدنانير العوادة ، وإذا رآها عرفها وقد تمّ الآن مال مصادرة منصور ، يا صالح قل لأمير المؤمنين ليهب لنا منصورا . قال صالح : فحملت المال والجوهرة إلى الخليفة ، فبينما نحن في الطريق أنا ومنصور إذ سمعته يتمثّل ببيت من الشعر ، فتعجّبت من رداءته وفساده ، وخبث أصله وميلاده ، وهو هذا البيت : فما استوهبتني متمسكا بي * ولكن خفت من ألم النبال قال صالح : فحردت عليه وقلت : ما على وجه الأرض خير من البرامكة ولا شرّ منك ، اشتروك وأنقذوك من الهلاك ، ومنّوا عليك بالفكاك ، ولم تشكرهم وتحمدهم ، ولم تفعل فعل الأحرار ، وقلت ما قلت ! ثم مضيت إلى الرشيد وقصصت عليه القصة ، وعرفته ما جرى ، وكتمت عنه ما جرى من منصور من خبث الطوية مخافة على نفسه من الرشيد ؛ فعند ذلك تعجّب وأمر بردّ تلك الجوهرة وقال : شيء وهبناه لا يجوز أن نعود فيه . فأعدتها إلى يحيى وقصصت عليه القصة وما جرى من منصور من سوء فعله . قال يحيى : إذا كان الإنسان مقلّا ضيق الصدر مشغول الفكر بضائقة اليد ، فمهما قاله ويقوله فليس ذلك من قلبه ؛ وجعل يطلب