الغزالي

98

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

العذر لمنصور . قال صالح : فبكيت وقلت : لا يعود الفلك الدائر يخرج رجلا مثلك في الوجود ؛ فو أسفا كيف يتوارى رجل مثلك له خلق مثل أخلاقك تحت التراب ! حكاية : يقال إنه كان بين يحيى بن خالد البرمكي وبين عبد اللّه بن مالك الخزاعي عداوة في السرّ ما كانا يظهرانها ، وكان سبب تلك العداوة التي بينهما أن هارون الرشيد كان يحب عبد اللّه بن مالك إلى أبعد غاية ، بحيث أن يحيى بن خالد وأولاده كانوا يقولون : إن عبد اللّه يسحر أمير المؤمنين ؛ حتى مضى على ذلك زمان والحقد في صدورهما وقلوبهما ، فولى الرشيد ولاية أرمينية لعبد اللّه وسيره إليها . ثم إن رجلا من أهل العراق كان له أدب وذكاء وفطنة ، فضاق ما بيده وفني ماله ، واختلّ عليه حاله ، فزور كتابا عن يحيى بن خالد إلى عبد اللّه بن مالك ، وسافر به إلى أرمينية ، فحين وصل إليها قصد باب عبد اللّه وسلّم الكتاب إلى بعض حجّابه ، فأخذ الحاجب الكتاب وسلّمه إلى عبد اللّه بن مالك ، ففضّه وقرأه وتدبّره وعلم أنه مزور ، فأذن للرجل فدخل عليه ، فقال له : حملت بعض المشقة وجئتني بكتاب مزور ، ولكن طب نفسا فإنّا لا نخيب سعيك ! فقال الرجل : أطال اللّه بقاء الأمير ، إن كان قد ثقل عليك وصولي إليك فلا تحتجّ في منعي لحجّة ، فأرض اللّه واسعة ، والرازق حي متين ، والكتاب الذي وصل صحيح غير مزوّر ؛ فقال عبد اللّه : أنا أعتمد معك أمرين ، وهما أن أكتب إلى وكيلي ببغداد وآمره أن يسأل عن حال هذا الكتاب الذي أتيت به ، فإن كان صحيحا أعطيتك إمارة بعض بلادي ، وإن آثرت العطاء أعطيتك مائة ألف درهم مع الفرس والجنيب والحلّة والتشريف . وإن كان الكتاب مزورا أمرت أن تضرب مائتي خشبة وأن تحلق محاسنك . ثم أمر عبد اللّه أن يحمل إلى حجرة الحبس وأن يحمل إليه ما يحتاج إليه ، وكتب كتابا إلى وكيله ببغداد أنه قد وصل إلينا رجل معه كتاب يذكر أنه من يحيى بن خالد ، وأنا سيّئ الظن في هذا الكتاب ، فيجب أن تتحقّق الحال في هذا الكتاب لتعلم صحته من سقمه ، وعرفني الجواب . فلمّا وصل كتاب عبد اللّه إلى وكيله ركب ومضى إلى باب دار يحيى بن خالد ، فوجده مع ندمائه وخواصه جالسا ، فسلم الكتاب إليه ، فقرأه يحيى بن خالد ثم قال للوكيل : عد إلينا من الغد لأكتب لك الجواب ! ثم التفت إلى ندمائه وقال لهم : ما جزاء من حمل عني كتابا مزورا إلى عدوي ؟ فقال كل واحد منهم شيئا يصف نوعا من العذاب ، ويذكر جنسا من العقاب ، فقال يحيى : كلّكم أخطأتم ، وهذا الذي ذكرتم من خسّة الأصل ودناءته ، وكلّكم تعرفون قرب عبد اللّه من أمير المؤمنين ، وتعرفون ما بيني وبينه من البغض ، والآن قد سبّب اللّه هذا الرجل وجعله