الغزالي
96
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
ديون يعجزني بعض قضائها وعسر عليّ أداؤها ، واحتشد ببابي أرباب الديون ، وتزاحم الطالبون ، ولازمني الغرماء ، فضاقت حيلتي ، وازدادت فكرتي ، فقصدت عبد اللّه بن مالك الخزاعي والتمست منه أن يمدّني برأيه ، وأن يرشدني إلى باب الفرج ، فقال عبد اللّه : لا يقدر أحد على خلاصك من محنتك وهمّك ، وضائقتك وغمّك ، إلّا البرامكة ؛ فقلت : ومن يقدر على احتمال تكبّرهم ، والصبر على تيههم وتجبّرهم ؟ فقال : تصبر على ذلك لمصلحة أحوالك ! فنهضت إلى الفضل وجعفر ابني يحيى بن خالد ، فقصصت عليهما قصتي وأبديت لهما غصتي ؛ فقالا : أعانك اللّه وأقام لك الكفاية ! فعدت إلى عبد اللّه بن مالك ضيق الصدر ، منقسم الفكر ، منكسر القلب ، وأعدت عليه ما قالاه ، فقال : يجب أن تكون عندنا اليوم لننظر ما يقدّره اللّه تعالى ؛ فجلست عنده ساعة ، وإذا بغلامي قد أقبل فقال : ببابنا بغال كثيرة بأحمالها ومعها رجل يقول أنا وكيل الفضل وجعفر ، فقال عبد اللّه : أرجو أن يكون قد جاء الفرج ، فقم وانظر ما الشأن ! فنهضت وأسرعت عدوا فرأيت ببابي رجلا معه رقعة مكتوب فيها : إنك لمّا عدت من عندنا مضيت إلى الخليفة وعرفته ما قد أفضت بك الحال إليه ، فأمر أن أحمل إليك من بيت المال ألف ألف درهم ، فقلت له : هذه الدراهم يصرفها إلى غرمائه فمن أين يقيم وجوه نفقاته ؟ فأمر بثمانمائة ألف درهم أخرى ؛ وقد حملت أنا من خاصتي ألف ألف درهم ، فصارت الجملة ألفي ألف درهم وثمانمائة ألف درهم ، أصلح بها أحوالك . حكاية : يقال إنه كان لأنوشروان نديم ، وكان في مجلس الشراب جام من ذهب مرصّع باللؤلؤ والجواهر النفيسة فسرقه النديم ونظر إليه أنوشروان فرآه وهو يخفيه ، فجاء الشرابي وطلب الجام فلم يجده ، فنادى : يا أهل المجلس قد ضاع لنا جام مرصع بالجواهر ، فلا يخرجنّ أحد حتى يرد الجام ! فقال أنوشروان : مكنهم من الخروج ، فإن الذي سرق الجام لا يردّه ، والذي رآه لا يقر عليه . فأين كان السخاء وعلو الهمّة كانت الراحة والخير ، ولكن من ينكر الإحسان ويجحد الامتنان لا أصل له ، ومن لا أصل له لا يقدر أن يستر فكره . حكاية : يقال إن الرشيد استدعى صالحا في التاريخ الذي تغيّر فيه على البرامكة ، وقال : يا صالح صر إلى منصور بن زياد وقل له : لنا عليك عشرة آلاف ألف درهم نريد أن تحصّلها في هذه الساعة ، وإن لم يحصّلها إلى المغرب فخذ رأسه عن جسده وائتني به ، وإيّاك ومراجعتي في شيء من أمره . قال صالح : فصرت إلى منصور