الغزالي
95
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
حكاية : يقال إن يحيى بن خالد خرج يوما من دار الخلافة راكبا إلى داره ، فرأى على باب الدار رجلا ، فلمّا قرب نهض قائما وسلّم عليه وقال : يا أبا جعفر أنا محتاج إلى ما في يدك ، وقد جعلت اللّه وسيلتي إليك ؛ فأمر يحيى أن يفرد له موضع في داره ، وأن يحمل إليه في كل يوم ألف درهم ، وأن يكون طعامه من طعامه المختصّ به . فبقي على ذلك شهرا كاملا ، فلمّا انقضى الشهر كان قد وصل إليه ثلاثون ألف درهم ، فأخذ الرجل الدراهم وانصرف ، فقيل ليحيى في ذلك ، فقال : واللّه لو أقام مدة عمره ، وطول دهره ، ما منعته صلتي ولا قطعت عنه ضيافتي . حكاية : كان لجعفر بن موسى الهادي جارية عوادة تعرف ببدر الكبرى ، ولم يكن في زمانها أحسن وجها منها ولا أحذق بصناعة الغناء وضرب الأوتار منها ، وكانت في غاية الكمال ونهاية الجمال ، فسمع بخبرها محمد ابن زبيدة الأمين ، فالتمس منه أن يبيعها له ، فقال له جعفر : إنه لا يجيء من مثلي بيع الجواري ، ولا المساومة في السراري ، ولولا أنها مزينة داري ، لأنفذتها إليك ، ولم أبخل بها عليك . ثم بعد ذلك بأيام جاء محمد ابن زبيدة إلى داره ، فرتب مجلس الشراب ، وأمر بدرا أن تغني له وتطربه ، فأخذ محمد في الشراب والطرب ، ومال على جعفر بكثرة الشرب حتى أسكره ، وأخذ الجارية معه إلى داره ، ولم يمدّ إليها يده من شرف نفسه وهمّته ، ثم رسم من الغد باستدعاء جعفر ، فلمّا حضر قدم بين يديه الشراب وأمر الجارية أن تغني من وراء الستر ، فسمع جعفر غناءها فلم ينطق من شرف نفسه ، ولم يظهر تغيرا في محاضرته ، ثم أمر محمد الأمين أن يملأ ذلك الزورق الذي ركب فيه جعفر إليه دراهم ، فكانت ألفي ألف بدرة وجملتها عشرون ألف ألف درهم ، حتى استغاث الملاحون وقالوا : ما بقي الزورق يحمل شيئا آخر ؛ وأمر بحمله إلى دار جعفر والجارية أيضا . هكذا كانت همم الأكابر . وسئل بعض الحكماء : من أعلى الناس حالا ؟ فقال : أعلاهم همّة ، وأكثرهم علما ، وأغزرهم فهما ، وأصفاهم حالا . فقيل له : فبمن ينبغي أن يتوصل ليخلص من نحوسة حظه وضائقته ؟ فقال : بالملوك والأكابر ، وذوي الهمم العالية ، والنفوس الشريفة السامية ، كما قيل : جاور بحرا أو ملكا . حكاية : قال سعد بن سالم الباهلي : اشتدّت بي الحال في زمن الرشيد ، واجتمع عليّ