الغزالي

94

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

حكمة : في وصية نامه أزدشير لولده : إذا أردت أن تهب لأحد من ولدك شيئا فاجتهد أن لا يكون عطاؤك أقل من دخل ولاية أو قرية ، أو قيمة بلد أو رستاق ، يستغني به الشخص الذي تهبه ، وتزول حاجته ، ويستغني أعقابه به وأولاده ما عاشوا ، فيحصل بذلك في حساب الأحياء لا في حساب الأموات ؛ واجتهد أنك لا ترغب في التجارة بوجه من الوجوه ، فإن ذلك يدلّ على دناءة همّة الملك . حكمة : يقال إنه كان للملك هرمز بن سابور وزير ، فكتب إليه كتابا يذكر فيه أنه وصل من جانب البحر تجار معهم اللؤلؤ والياقوت والجواهر النفيسة القيمة ، وأنني ابتعت منهم برسم الخزانة بمبلغ ألف دينار ؛ والآن قد حضر فلان التاجر وهو يطلب الجوهر بربح كثير ، فإن رغب مولانا فليرسم بما يرى . فكتب هرمز جوابه وقال : مائة ألف ومائة ألف مثلها وأمثالها ليس لها في أعيننا خطر ، ولا نرغب فيها بوجه من الوجوه ، وإذا عملنا بحق التجارة فمن يعمل بحق الإمارة والسلطنة ؟ فانظر أيها الجاهل لنفسك ، ولا تعد لمثل هذا الكلام ، ولا تخلط في أموالنا درهما واحدا ولا دانقا فردا من أرباح التجارة ، فإن ذلك يسقط قيمة الملك ويزري بحسن اسمه ، ويعود بقبح قاعدته ورسمه ، ويضرّ بصيته في حال حياته وبعد وفاته . حكاية : حكي أن الأمير عمارة بن حمزة كان في بعض الأيام جالسا في مجلس الخليفة المنصور ، وكان يوم نظره في المظالم ، فنهض رجل على قدميه وقال : أنا مظلوم . فقال : من ظلمك ؟ فقال : عمارة بن حمزة اغتصب ضياعي وابتز ملكي وعقاري . فأمره المنصور أن يقوم من مقامه ويساوي خصمه للمحاكمة ، فقال عمارة : يا أمير المؤمنين إن كانت الضياع له فما أنازعه فيها ، وإن كانت لي فقد وهبتها له ، وما لي حاجة في محاكمته ، وما أبيع مكاني الذي أكرمني به أمير المؤمنين بضياع ولا غيرها . فتعجّب الأكابر الحاضرون من علو همّته ، وشرف نفسه ومروءته . الهمّة والنهمة على شكل واحد ، وكل إنسان له منهما نصيب ، فواحد بالسخاء وإطعام الطعام ، وآخر بالعلم ، وآخر بالعبادة والقناعة والزهادة وترك الدّنيا وطلب العقبى ، وآخر بطلب الزيادة . وأمّا الهمّة وبذل المال ، وإسداء النوال فينبغي أن تكون كما جاء في الحكاية :