الغزالي

90

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

وقالت الحكماء والملوك القدماء : ينبغي أن يكون الكاتب عالما بعشرة أشياء : الأول بعد الماء وقربه تحت الأرض ، ومعرفة استخراج الإفتاء ، ومعرفة زيادة الليل والنهار ونقصانهما في الصيف والشتاء ، وسير الشمس والقمر والنجوم ، ومعرفة الاجتماع والاستقبال ، والحساب بالأصابع ، وحساب الهندسة ، والتقويم واختيارات الأيام ، وما يصلح للمزارعين ، ومعرفة الطب والأدوية ، ومعرفة ريح الجنوب والشمال ، وعلم الشعر والقوافي . ومع هذا كله ينبغي أن يكون الكاتب خفيف الروح ، طيب اللقاء ، عالما ببراية القلم وتدبيره وقطه ورفعه وخطه . ومهما كان في قلبه أظهره بسنان قلمه ؛ وأن يحرس نفسه من طغيان قلمه . وينبغي أن يعلم أي حرف يجوز أن يمدّ ، وأي حرف ينبغي أن يكون مجتمعا متصلا . وأن يكون الخط مبينا ، ويعطي كل حرف حقه ؛ كما يحكى أنه كان لأمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه عامل ، فكتب إلى عمرو بن العاص كتابا ولم يظهر سين « بسم اللّه الرحمن الرحيم » فاستدعاه عمرو وقال له : أظهر أولا سين « بسم اللّه » ثم توجه بعد ذلك إلى عملك . وأول ما ينبغي للكاتب أن يعلم براية القلم فإن الإنسان إذا كان يحسن الخط ويعرف أن يبري قلمه فإن الخط على كل حال يجيء صالحا . حكاية : كان لشاهنشاه عشرة من الوزراء ، وكان في جملتهم الصاحب إسماعيل بن عباد ، فاجتمع الوزراء على تنكيسه واتّفقوا على التضريب عليه ، وقالوا : إن الصاحب لا يقدر أن يبري قلمه ؛ فلمّا علم بذلك شاهنشاه جمعهم جملتهم ، فقال لهم الصاحب : أي أدب فيكم ليس لي مثله حتى تتجاسروا أن تتحدّثوا عني بحضرة شاهنشاه ؟ وأن أبي علّمني الوزارة ولم يعلّمني التجارة ؛ أقل أدبي براية القلم ، وهل فيكم من يقدر أن يكتب كتابا تامّا بقلم مكسور الرأس ؟ فعجز الجماعة عن ذلك ، فقال له شاهنشاه : اكتب أنت ! فأخذ الصاحب قلما وكسر رأسه وكتب به درجا تامّا ؛ فأقر الجماعة بفضله ، واعترفوا بسداده ونبله . وأجود الأقلام ما كان مستقيما ، أصفر اللون رقيق الوسط . والقلم المحرف من جانبه الأيمن يصلح للخط العربي والفارسي والعبري ، واللسان الدري يجب أن يكون قلمه محرفا من الجانب الأيسر . وخير الأقلام ما وصفه يحيى بن جعفر البرمكي في كتاب كتبه إلى يحيى بن