الغزالي

68

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

صادق ، وإن أطلقتك خفت أن يذيع الخبر عني أن زيادا يقول ما لا يفعل ، فتفسد سياستي وتنكسر هيبتي ، والجنّة خير لك ممّا هنا . ثم ضرب عنقه وجعل يسير ، فكل من رآه ضرب عنقه وحزّ رأسه ، فلمّا أصبح من الغد كان قد أخذ رؤوس ألف وخمسمائة رجل ، ثم جعلها على باب داره مثل البيدر ، فتهوله الناس وجزعوا لما رأوا من فعله . فلمّا كان الليل خرج وطاف فلقي ثلاثمائة رجل فأخذ رؤوسهم ، فلم يقدر أحد بعد ذلك أن يخرج من منزله بعد العشاء الآخرة . فلمّا كان يوم الجمعة رقى المنبر وقال : أيها الناس لا يغلق أحد منكم دكانه بالليل ، ومهما سرق منكم كان غرامته علي . فلم يجسر أحد منهم أن يغلق دكانه تلك الليلة ، فلمّا كان من الغد أتاه رجل صيرفي وقال : قد سرق مني البارحة أربعمائة دينار ؛ فقال له زياد : تقدر أن تحلف على صحة قولك ؟ فقال : نعم . فحلّفه وغرّم له أربعمائة دينار وقال له : اكتم هذا الأمر ولا تشعر به أحدا ! فلمّا كان في الجمعة الثانية اجتمع الناس لصلاة الجمعة وصعد زياد المنبر وقال : اعلموا أنه قد سرق من دكان الصيرفي أربعمائة دينارا وأنتم كلّكم حاضرون ، فإن رددتم ذلك فقد عاد إلى الرجل ماله ، وإن لم تردّوا ذلك فقد أمرت أن لا يمكن أحد منكم أن يخرج من الجامع وأمرت بقتلكم في هذه الساعة . ففي الحال لزموا من كان يتّهمونه بالسرقة وقدّموه بين يديه ، فردّ الذهب الذي كان سرقه ، فأمر بصلبه في الحال . ثم إنه سأل بعد ذلك : أي محلة في البصرة ليس فيها أمن ؟ فقيل : محلة بني الأزد . فأمر أن يترك فيها ثوب ديباج له قيمة ثقيلة ليلا بحيث لا يراه أحد ؛ فبقي أياما ملقى بحاله ، ولم يكن لأحد جسارة أن يقرب ولا يرفعه من مكانه ، فقال له أقاربه بعد ذلك : إن السياسة خير الأشياء ، إلّا أنك لم ترحم المسلمين أولا وأهلكت خلقا كثيرا ؛ فقال : قد أخذت عليهم الحجّة قبل ذلك بثلاثة أيام ، ومن شؤم مخالفتهم لم ينتهوا ، والذي أصابهم كان من شؤم أعمالهم . * * * فصل ولا ينبغي للسلطان أن يشتغل دائما بلعب الشطرنج والنرد ، وشرب الخمر وضرب الكرة والصولجان والصيد ؛ لأن ذلك يمنعه ويشغله عن أمور الرعية ؛ فإن لكل عمل وقتا ، فإذا فات الوقت عاد الربح خسرانا ، فإن الملوك القدماء قسموا النهار أربعة أقسام : قسم منها لطاعة اللّه وعبادته ، وقسم للنظر في الرعية وإنصاف المظلومين والجلوس بين العلماء والعقلاء ولتدبير الأمور وسياسة الجمهور وتنفيذ الأوامر وكتابة الكتب وإرسال الرسل ، وقسم للأكل والشرب والتزوّد من الدّنيا وأخذ