الغزالي

69

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

الحظوظ من الفرح والسرور ، وقسم للصيد ولعب الشطرنج والكرة وما أشبه ذلك . حكمة : يقال إن بهرام كور قسم نهاره قسمين وجعله شطرين ، ففي النصف الأول كان يقضي حوائج الناس ، وفي النصف الثاني كان يطلب الراحة . ويقال إنه في جميع عمره ما اشتغل يوما تامّا بعمل واحد . وكان أنوشروان العادل يأمر أصحابه الثقات أن يصعدوا إلى أعلى مكان في البلد فينظروا إلى بيوت الناس ، فكلّ بيت لا يخرج منه دخان نزلوا وسألوا عن حال أولئك القوم وما خطبهم ، فإن كانوا في غمّ أعلموا الملك ، فكان يحمل غمومهم ويزيل همومهم . ويجب على السلطان أن لا يرضى لغلمانه أن يتناولوا شيئا من الرعية بغير حق كما جاء في الحكاية : حكاية : يقال إنه كان قد ولى أنوشروان عاملا ، فأنفذ المال إليه زيادة في الخراج ثلاثة آلاف درهم ، فأمر أنوشروان بإعادة الزيادة إلى أصحابها ، وأمر بصلب العامل . وكل سلطان أخذ من الرعية شيئا بالجور والغصب وخزنه في خزائنه كان مثله كمثل رجل عمل أساس حائط ولم يصبر حتى يجف ثم وضع البنيان عليه فلم يبق الأساس ولا الحائط . وينبغي للسلطان أن يأخذ ما يأخذه من الرعية وأن يهب ما يهبه بقدره ؛ لأن لكلّ واحد من هذين حدّا محدودا كما جاء في الحكاية : حكاية : يقال إن المأمون ولى يوما أربعة نفر أربع ولايات ، فأعطى لواحد منهم منشور خراسان وخلع عليه خلعة بثلاثة آلاف دينار . وولى الآخر ولاية مصر وخلع عليه خلعة مثلها . وولى الآخر ولاية أرمينية وأعطاه خلعة مثلها . ثم استدعى يومئذ موبذان وقال : يا دهقان هل كان لملوك العجم مثل هذه الخلع ؟ فإنه بلغني أن خلعهم ما كانت تبلغ أكثر من أربعة آلاف درهم . فقال الموبذان : أطال اللّه بقاء أمير المؤمنين ! كان لملوك العجم ثلاثة ليست لكم : ( أحدها ) : أنهم كانوا يأخذون ما يأخذونه من الرعية بقدر ويعطونه بقدر . ( والثاني ) : أنهم كانوا يأخذون من موضع يجوز الأخذ منه ويعطون لمن ينبغي أن يعطى . ( والثالث ) : أنهم ما كان يخافهم إلّا أهل الريب . فقال المأمون : صدقت . ولم يعد عليه جوابا .