الغزالي

67

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

والشحناء . وإذا كان السلطان منهم ضعيفا أو كان غير ذي سياسة وهيبة فلا شك أن ذلك يكون سبب خراب البلاد ، وأن الخلل يعود إلى الدين والدّنيا . وفي الأمثال : جور السلطان مائة عام ولا جور الرعية بعضهم على بعض سنة واحدة . وإذا جارت الرعية سلّط اللّه عليها سلطانا جائرا وملكا قاهرا كما جاء في الحكاية : حكاية : أعطي الحجاج بن يوسف الثقفي في بعض الأيام قصة مكتوب فيها : « اتق اللّه ولا تجر على عباد اللّه كل هذا الجور » فرقى الحجاج المنبر وكان فصيحا فقال : أيها الناس إن اللّه سلّطني عليكم بأعمالكم ، فإن أنا مت فلا تخلصون من الجور مع هذه الأعمال السيئة ، فإن اللّه تعالى خلق أمثالي كثيرا ، وإذا لم أكن أنا كان من هو أكثر شرّا مني ؛ قال الشاعر : وما من يد إلّا يد اللّه فوقها * ولا ظالم إلّا سيبلى بأظلم حكمة : سئل بزرجمهر : أي الملوك أطهر ؟ فقال : من أمنه الطاهرون ، وخاف من الخطاءون . وأمّا السلطان الذي لا سياسة له فليس له في أعين الناس خطر ولا محل ، بل يكون الخلق عليه ساخطين ثم يذكرونه كل وقت بالقبيح ؛ ألا ترى أن الإنسان إذا كان من عوام الولاية وتولى عليها وأراد أن يطلب الحساب من الرعية أول ما يكلّمهم بالهيبة ويظهر جاهه بالسياسة لعلمه أن الرعية إنّما ينظرونه بالعين الأولى ؟ وفي هذا الباب حكاية عجيبة : كان لأبي سفيان بن الحارث ولد ، وكان يدعى زياد ابن أبيه ، وكان قد ولد في أيام الجاهليّة ونفاه وتبرّأ منه وقال ؛ ما هو لي بولد ، فلمّا وصل الأمر إلى معاوية قرّبه وأدناه وولّاه ولاية العراق ، فلمّا وصل إلى العراق وجد أهل العراق قوما عابثين يفسدون ويسرقون ، فقصد زيارة المسجد الجامع ورقى المنبر وخطب خطبة ثم قال بعد خطبته : واللّه لئن خرج أحد بعد العشاء الآخرة لآخذن رأسه عن جسده ، فليعلم الشاهد الغائب . ثم أمر مناديا بذلك ثلاثة أيام ، فلمّا كان في الليلة الرابعة خرج زياد وقد مضى من الليل ثلثه ، فركب وجعل يطوف محال البلد ، فرأى أعرابيّا ومعه غنم له وهو قائم ، فسأله زياد : ما تصنع هاهنا ؟ فقال : أتيت مساء ولم أجد موضعا أستقر فيه ، فنزلت مكاني إلى أن أصبح وأبيع غنمي . فقال له زياد : أنا أعلم أنك