الغزالي
51
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
الذي لا تحبه معك ؟ فبكى الأمير ودمعت عيناه وقال : نعم الموعظة هذه ! وجميع الوصايا والحكم تحت هذا الكلام . والخالق سبحانه وتعالى أرسل نبيّنا محمدا صلى اللّه عليه وسلم أخيرا حتى عادت ببركته دار الكفر دار الإيمان ، وأظهره في أسعد وقت وأوان ، وعمّر الدّنيا بشريعته ، وختم الأنبياء بنبوّته . وكان الملك في ذلك الزمان كسرى أنوشروان ؛ وهو الذي فاق ملوك إيران ، بعدله ونصفته ، وتدبيره وسياسته ، وذلك جميعه ببركات نبيّنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه ولد في زمانه ، ووجد في أوانه . وعاش أنوشروان بعد مولده سنتين ؛ والنبي صلى اللّه عليه وسلم افتخر بأيامه فقال : ولدت في زمن الملك العادل كسرى أنوشروان « 1 » . وإنّما سمّاه ملكا عادلا لعدله . ولتعلم أن الصيت الحسن والاسم الجيد خير الأشياء . والملوك الذين كانوا قبله كانت همّتهم في عمارة الدّنيا ، والعدل بين الرعية ، وحفظ الجسم بالسياسة وحسن الإنالة ، وآثار عمارتهم التي أثروها إلى اليوم ظاهرة في العالم ؛ وكل بلد يعرف باسم ملكه لأنهم عمروا المواضع وبنوا الضياع والمزارع ، واستخرجوا القنوات والمصانع ، وأظهروا ما كان خافيا من مياه العيون . وجميع ما ذكرناه كان أنوشروان يعمره بعدله وإنصافه ، مع تجنبه الإسراف في عفافه .
--> ( 1 ) قال في كشف الخفاء [ جزء 2 - صفحة 1927 ] رقم 2927 : حديث « ولدت في زمن الملك العادل » : ذكره الصغاني بالتنكير وقال إنه موضوع . وقال في المقاصد لا أصل له . ونقل أبو سعيد الحافظ ابن السمعاني أن أبا بكر القاضي الجبري حكى أن شيخا من الصالحين رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم في المنام فقال له : يا رسول اللّه بلغني أنك ولدت في زمن الملك العادل . وإني سألت الحاكم أبا عبد اللّه الحافظ عن هذا فقال هذا كذب ولم يقله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : صدق أبو عبد اللّه . وقال الحليمي في الشعب : لا يصح وإن صح فإطلاق العادل عليه لتعريفه بالاسم الذي يدعى به لا بوصفه بالعدل والشهادة له بذلك أو وصفه بذلك بناء على اعتقاد المعتقدين فيه أنه كان عدلا كما قال تعالى : فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ أي ما كان عندهم آلهة ولا يسمي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من يحكم بغير حكم اللّه عادلا . انتهى . وما يحكى عن ابن أبي عمر بن قدامة ما ذكره ابن رجب في ترجمته أنه قال : جاء في الحديث أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ولدت في زمن العادل كسرى » لا يصح لانقطاع سنده وإن صح فلعل القائل للحكاية لم يضبط . وقال في تذكرة الموضوعات [ جزء 1 - صفحة 627 ] حديث : « ولدت في زمن الملك العادل » : لا أصل له ولا يجوز أن يسمى من يحكم بغير حكم اللّه عادلا وما يحكى عن ابن قدامة مرفوعا « ولدت في زمن الملك كسرى » لا يصح لانقطاع سنده .