الغزالي

52

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

حكاية : يقال إن أنوشروان العادل أظهر يوما من أيام ملكه أنه مريض ، وأنفذ ثقاته وأمناءه أن يطوفوا أقطار مملكته وأكناف ولايته ، وأن يتطلّبوا له لبنة عتيقة من قرية خربة ليتداوى بها ، وذكر لأصحابه أن الأطباء وصفوا له ذلك . فمضوا وطافوا جميع ولايته وعادوا فقالوا : ما وجدنا مكانا خرابا ولا لبنة عتيقة . ففرح أنوشروان وشكر إلهه وقال : إنّما أردت هذا لأجرب ولايتي ، وأخبر مملكتي ، ولأعلم هل بقي في الولاية موضع خراب لأعمّره ؛ فالآن لم يبق مكان إلّا هو عامر ، فقد تمّت أمور المملكة وانتظمت الأحوال ، ووصلت العمارة إلى درجة الكمال . واعلم أن أولئك الملوك القدماء كانت همّتهم واجتهادهم في عمارة ولاياتهم بعدهم . روي أنه كلّما كانت الولاية أعمر ، كانت الرعية أوفى وأشكر . وكانوا يعلمون أن الذي قالته العلماء ونطقت به الحكماء ، صحيح لا ريب فيه ، وهو قولهم : إن الدين بالملك ، والملك بالجند ، والجند بالمال ، والمال بعمارة البلاد ، وعمارة البلاد بالعدل في العباد . فما كانوا يوافقون أحدا على الجور والظلم ، ولا يرضون لحشمهم بالخرق والغشم ، علما منهم أن الرعية لا تثبت على الجور ، وأن الأماكن تخرب إذا استولى عليها الظالمون ، ويتفرّق أهل الولايات ويهربون في ولايات غيرها ، ويقع النقص في الملك ويقلّ في البلاد الدخل ، وتخلو الخزائن من الأموال ، ويتكدّر عيش الرعايا ، لأنهم لا يحبون جائرا ، ولا يزال دعاؤهم عليه متواترا ، فلا يتمتّع بمملكته ، وتسرع إليه دواعي هلكته . قال مؤلف الكتاب : الظلم نوعان : أحدهما : ظلم السلطان لرعيته وجور القوي على الضعيف والغني على الفقير . والثاني : ظلمك لنفسك ، وذلك من شؤم معصيتك ، فلا تظلم ليرفع عنك الظلم كما جاء في الخبر . حكاية : يقال إنه كان في بني إسرائيل رجل يصيد السمك ويقوت من صيده أطفاله وزوجته ، فكان في بعض الأيام يتصيّد فوقعت في شبكته سمكة كبيرة ففرح بها وقال : أمضي بهذه السمكة وأبيعها وأخرج ثمنها في نفقة العائلة ؛ فلقيه بعض العوانية في طريقه وقال له : أتبيع هذه السمكة ؟ فقال في نفسه : إن قلت له نعم أخذها بنصف ثمنها ، فقال له : ما أبيعها . فضربه العواني بخشبة كانت معه على صلبه ضربة موجعة وأخذ السمكة منه غصبا ، فدعا الصياد عليه وقال : إلهي خلقتني مسكينا ضعيفا ، وخلقته قويّا عنيفا ، اللّهم فخذ بحقي منه في الدّنيا فإني لا أصبر إلى الآخرة .