الغزالي
50
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
وكسرى أنوشروان . وإذا كان السلطان جائرا خربت الدّنيا كما كانت في عهد الضحاك وافراسياب وبرزدكنه الخاطئ وأمثال هؤلاء . وهكذا إلى أن استولى أهل الإسلام ، وغلبوا العجم وأزاحوهم عن بلادهم وعن الملك ، وقويت دولة دين الإسلام ، ببركة نبيّنا محمد عليه الصلاة والسلام ، وذلك في عهد خلافة عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه . فاعلم وتيقّن أن هؤلاء الملوك الذين ذكرناهم كانوا أصحاب الدّنيا وملوك الأرض ، وأنهم بلغوا من الدّنيا مرادهم ، وصرفوا باللذات أوقاتهم ، ومضوا وبقيت أسماؤهم وسماتهم ، كما عددناه من أفعالهم ، وأوردناه من خصالهم ؛ لتعلم أن الناس إنّما هم الحديث الذي يبقى بعدهم ؛ فكلّ إنسان يذكر بالذي كان يفعله ، وينسب إليه ما كان يعمله ، إن خيرا فخير وإن شرّا فشر . فيجب على الإنسان أن يزرع بذر الإحسان ، وأن ينفي عن نفسه العيوب الفاحشات ، والخطايا الموبقات ، لا سيّما الملوك ؛ ليبقى بعدهم حسن الاسم ، وصالح الرسم ، ولئلا يذكر بالقبيح ، وقد حلّ بالضريح ، كما قال الشاعر : اهرب من الذنب وتب يا فتى * وإن بدا منك فعد واندم وانف عن نفسك ما شانها * وما مساوي الدهر خف تسلم وبعدك يبقى الذكر لا غيره * فكن حديثا حسنا تغنم يقال : إن ذكر الرجال بعدهم حياتهم الثانية في الدّنيا ، فواجب على العقلاء قراءة أخبار هؤلاء الملوك ، والنظر في أحوال هذه الدّنيا القليل وفاؤها والكثير بلاؤها ، وأن لا يعلّقوا قلوبهم بأمانيها ، فإنها لا يبقى عليها صالح ، ولا يسلم فيها طالح . وليجتهد العاقل أن لا يكثر خصومه فإن أمر الخصوم صعب هائل ، والباري تعالى حاكم عادل ، لا بد أن ينصف يوم القيامة بين الخصوم ، ويأخذ من الظالم للمظلوم ؛ فلا تساوي الدّنيا بأسرها أن تجعل الناس خصوما لأجلها كما جاء في الحكاية : حكاية : كان أبو علي بن إلياس إسفهسلار « 1 » نيسابور ، فحضر يوما عند الشيخ أبي علي الدقاق رحمه اللّه ، وكان زاهد زمانه وعالم أوانه ، فقعد على ركبتيه بين يديه ، وقال له : عظني ! فقال له أبو علي : أيها الأمير ، أسألك مسألة وأريد الجواب عنها بغير نفاق . فقال : أجل أجيبك . فقال : أيها الأمير أيّما أحبّ إليك ؛ المال أو العدو ؟ فقال : المال أحبّ إليّ من العدو . فقال : كيف تترك ما تحبه بعدك وتصطحب العدو
--> ( 1 ) أي مقدم العسكر .