الغزالي
38
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
بيان العينين اللتين هما مشرب شجرة الإيمان وإذ قد عرفت أصول شجرة الإيمان ، وعرفت فروعها ، فاعلم أن هناك عينين للعلم تستمدّ الشجرة منهما الماء . العين الأولى في معرفة الدّنيا ولما أوجد فيها الإنسان اعلم يا سلطان العالم أن الدّنيا منزلة وليست بدار قرار ، والإنسان مسافر ؛ فأول منازله بطن أمه وآخر منازله لحد قبره ، وإنّما وطنه وقراره ومكثه واستقراره بعدها . فكلّ سنة تنقضي من الإنسان فكالمرحلة ، وكل شهر ينقضي منه فكاستراحة المسافر في طريقه ، وكل أسبوع فكقرية تلقاه ، وكل يوم فكفر سوف يقطعه ، وكل نفس كخطوة يخطوها ، وبقدر كل نفس يتنفّسه يقرب من الآخرة . وهذه الدّنيا قنطرة ، فمن عمّر القنطرة واستعجل بعمارتها فني فيها زمانه ، ونسي المنزلة التي هي مصيره ومكانه ، وكان جاهلا غير عاقل ؛ وإنّما العاقل الذي لا يشتغل في دنياه إلّا لاستعداده لمعاده ، ويكتفي منها بقدر الحاجة ؛ ومهما جمعه فوق كفايته كان سمّا ناقعا ، ويتمنى أن تكون جميع خزائنه وسائر ذخائره رمادا وترابا لا فضة ولا ذهبا ؛ ولو جمع مهما جمع فإن نصيبه ما يأكله ويلبسه لا سواه . وجميع ما يخلفه يكون عليه حسرة وندامة ويصعب عليه نزعه عند موته ؛ فحلالها حساب ، وحرامها عذاب . إن كان قد جمع المال من حلال طلب منه الحساب ، وإن كان قد جمع من حرام وجب عليه العذاب ، وكان أشدّ عليه من حسرته حلول العذاب في حفرته . ومع هذا جميعه إذا كان إيمانه صحيحا سالما لحضرة الديّان ، فلا وجه ليأسه من الرحمة والرضوان ، فإن اللّه جوّاد كريم ، غفور رحيم . واعلم أيها السلطان أن راحة الدّنيا أيام قلائل وأكثرها منغص بالتعب ، مشوب