الغزالي

39

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

بالنصب ، وبسببها تفوت راحة الآخرة التي هي الدائمة الباقية ، والملك الذي لا نهاية له ولا فناء ، فيسهل على العاقل أن يصبر في هذه الأيام القلائل لينال راحة دائمة بلا انقضاء . نكتة : لو كان للإنسان معشوقة وقيل له إن صبرت عنها هذه الليلة سلمت إليك ألف ليلة بلا تعب ولا نصب ، وإن كنت تزورها فإنك لا تراها أبدا ؛ فإن كان عشقه لها عظيما وصبره عنها أليما ، لكان يهون عليه صبره على البعد عنها ليلة واحدة لينال الآخرة ، بل الدّنيا ليست بشيء في جنب الآخرة ، ولا شبه بينهما لأن الآخرة لا نهاية لها ، ولا يدرك بالوهم طولها . وقد أفردنا في صفة الدّنيا كتابا ، لكنّا نقتنع الآن بما نورده من حال الدّنيا ، وقد أوضحنا حالها على عشرة أمثلة : 1 - المثال الأول : في بيان سحر الدّنيا : وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « احذروا الدّنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت ؛ وأول سحرها أنها تريك أنها ساكنة عندك مستقرة معك ، وإذا تأمّلتها خلتها وهي هاربة منك نافرة عنك على الدوام ، وإنما تتسلسل على التدريج ذرّة ذرّة ونفسا نفسا » « 1 » . ومثل الدّنيا مثل الظل إذا رأيته حسبته ساكنا وهو يمرّ دائما ، وكذلك عمر الإنسان يمرّ بالتدريج على الدوام وينقص كل لحظة ، وكذلك الدّنيا تودعك وتهرب عنك وأنت غافل لا تخبر وذاهل لا تشعر ؛ ولذلك قال بعض الشعراء في المعنى : وما الدّنيا وإن كثرت وطابت * بها اللّذات إلّا كالسراب يمرّ نعيمها بعد التذاذ * ويمضي ذاهبا مرّ السحاب 2 - المثال الثاني : من ذلك : ومن سحرها أنها تظهر لك محبة لتعشقها ، وتريك أنها لك مساعدة ، وأنها تنتقل عنك إلى غيرك ، ثم تعود عدوّة لك على غفلة . ومثلها مثل امرأة فاجرة خدّاعة للرجال حتى إذا رأوها عشقوها ودعتهم إلى بيتها فاغتالتهم وأهلكتهم .

--> ( 1 ) قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء [ جزء 3 - صفحة 165 ] رقم 4 - حديث « احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت » : أخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب من طريقه من رواية أبي الدرداء الرهاوي مرسلا ، وقال البيهقي : إن بعضهم قاله عن أبي الدرداء عن رجل من الصحابة . قال الذهبي : لا يدرى من أبو الدرداء . قال : وهذا منكر لا أصل له .