الغزالي
15
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
قبل خلقه العرش وبعد خلقه العرش . وأنه متّصف بالصفة التي كان عليها في الأزل ، ولا سبيل إلى التغير والانقلاب إلى صفاته . وهو سبحانه مقدّس عن صفات المخلوقين ومنزّه عنهم . وهو في الدّنيا معلوم وفي الآخرة مرئي كما نعلمه في الدّنيا بلا مثل ولا شبه ؛ لأن تلك الرؤية لا تشابه رؤية الدّنيا ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] . * * * الأصل الثالث في القدرة وأنه تعالى على كل شيء قدير ، وملكه في نهاية الكمال ، ولا سبيل إلى العجز والنقصان بل ما شاء فعل وما يشاء يفعل . وأن السماوات السبع والأرضين السبع والكرسي والعرش في قبضة قدرته وتحت قهره وتسخيره ومشيئته ؛ هو مالك الملك لا ملك إلّا ملكه ، تعالى عمّا يقول الظالمون علّوا كبيرا . * * * الأصل الرابع في العلم وأنه تعالى عالم بكل معلوم ، وعلمه محيط بكل شيء ؛ فليس شيء في العلا إلى الثرى إلّا قد أحاط به علمه ؛ لأن الأشياء جميعها بعلمه ظهرت ، وبإرادته خلقها ، وبقدرته كوّنها . وأنه تعالى يعلم عدة رمال القفار ، وقطرات الأمطار ، وورق الأشجار ، وغوامض الأفكار ، وما دارت عليه الرياح والهواء ، في علمه ظاهر مثل عدد نجوم السماء . وأن جميع ما في العالم بإرادته ومشيئته ؛ وليس شيء من قليل أو كثير ، صغير أو كبير ، خير أو شر ، نفع أو ضرّ ، زيادة أو نقصان ، راحة أو تعب ، صحة أو وصب ، إلّا بحكمه وتدبيره ، ومشيئته وتقديره ؛ لو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين على أن يحرّكوا في العالم ذرّة ، أو يسكنوها ، أو ينقصوا منها ، أو يزيدوا فيها بغير إرادته وحوله وقوته لعجزوا عن ذلك ولم يقدروا . وما شاء اللّه كان وما لا يشاء لا يكون ، ولا تردّ مشيئته . ومهما كان ويكون أو هو كائن ، فإنه بتدبيره وأمره وتسخيره . * * *