الغزالي

14

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

ابتداء قاعدة الاعتقاد الذي هو أصل الإيمان اعلم أيها السلطان أنك مخلوق ولك خالق وهو خالق العالم وجميع ما في العالم ، وأنه واحد لا شريك له ، فرد لا مثل له ، كان في الأزل وليس لكونه زوال ، ويكون مع الأبد وليس لبقائه فناء ، وجوده في الأبد والأزل واجب وما للعدم إليه سبيل ، وهو موجود بذاته ، وكل أحد محتاج إليه وليس له إلى أحد احتياج ، وجوده به ووجود كل شيء به . * * * الأصل الثاني في تنزيه الخالق تعالى اعلم أن البارئ - تعالى ذكره - ليس له صورة ولا مثل ، وأنه لا ينزل ولا يحل في قالب ، وأنه تعالى منزّه عن الكيف والكم ، وعن لما ذا وكم ، وأنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ، وكلّ ما يخطر في الوهم والخيال والفكر من التخييل والتمثيل والتكييف فإنه منزّه عن ذلك ؛ لأن ذلك من صفات المخلوقين وهو خالقها فلا يوصف بها . وأنه - تعالى جدّه - ليس في مكان ولا على مكان ؛ فإن المكان لا يحصره ، وكل ما في العالم فإنه تحت عرشه ، وعرشه تحت قدرته وتسخيره ، وأنه قبل العرش كان فترها عن المكان ، وليس العرش بحامل له بل العرش وحملته يحملهم لطفه وقدرته ، واستواؤه على العرش كما قال ، وعلى الوجه الذي قال ، وبالمعنى الذي أراد ، استواء منزها عن الاستقرار والمماسة والتمكّن والحلول والانتقال . وهو سبحانه فوق العرش وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى ، وهو مع ذلك قريب من كل موجود ، وهو أقرب إلى البعيد والقريب من حبل الوريد ، وهو على كل شيء قدير وشهيد ، فعّال لما يريد . لا يزال في نعوت الجمال ، وصفات الجلال ، منزها عن الزوال والانتقال ، مستغنيا عن زيادة الاستكمال . وأنه منزّه عن الحاجة إلى المكان