الغزالي

125

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

تقدر أن تطلقه بغير إذن وهو قادر على ذلك متى شاء ، وأنها لا تقدر أن تأخذ شيئا بغير إذنه وهو قادر على ذلك ، وأنها ما دامت في حباله لا تقدر على زوج سواه وهو يقدر على الزواج عليها ، وأنها لا يجوز لها أن تخرج من البيت بغير إذنه وهو يجوز له ذلك ، وأنها لا يمكنها أن تعري وهو يمكنه ذلك ، وأنها تخاف منه وهو لا يخافها ، وأنها تقنع منه بطلاقة وجهه في وجهها وبالكلام الليّن وهو لا يرضى بجميع أحوالها ، وأنها تفارق أمها وأباها وجميع أقاربها ، وأنها تخدمه دائما وهو لا يخدمها دائما ، وأنها تتلف نفسها إذا كان مريضا وهو لا يغتمّ لو ماتت . فلهذه الوجوه التي ذكرناها يجب على العقلاء أن يكونوا رحماء على النساء ولا يظلمونهنّ ولا يجوروا عليهنّ ، فإن المرأة أسير الرجل . ويجب على الرجال مداراة النساء لنقص عقولهنّ ، وبسبب نقص عقولهنّ لا يجوز لأحد أن يتدبّر برأيهنّ ولا يتلفّت إلى أقوالهنّ ؛ ومن اعتمد على آرائهن ودبر نفسه بمشورتهنّ كان كما جاء في الحكاية : حكاية : يقال إن خسرو بن أبرويز كان يحب أكل السمك ، فكان يوما جالسا وشيرين معه ، فجاء الصياد ومعه سمكة كبيرة فأهداها لخسرو ووضعها بين يديه ، فأعجبته فأمر له بأربعة آلاف درهم ، فقالت شيرين : بئس ما فعلت ! فقال : ولم ؟ فقالت : لأنك إذا أعطيت أحدا من حشمك بعد هذا مثل هذه العطية احتقرها وقال أعطاني مثل ما أعطى الصياد ؛ فقال الملك : لقد صدقت ، ولكن يقبح بالملك استرجاع ما وهبه وقد فات ذلك الأمر ؛ فقالت شيرين : أنا أدبر هذا الحال ؛ فقال : وكيف ذاك ؟ فقالت : تدعو الصياد وتقول له هذه السمكة ذكر أم أنثى ؟ فإن قال أنثى فقل إنّما أردت ذكرا ، وإن قال ذكر فقل إنّما أردت أنثى . فنودي الصياد وكان ذا ذكاء وفطنة ، فقال خسرو : هذه السمكة ذكر أم أنثى ؟ فقبّل الصياد الأرض وقال : أدام اللّه إقبال الملك ، وهذه السمكة خنثى لا ذكر ولا أنثى ؛ فضحك خسرو من كلامه وأمر له بأربعة آلاف درهم أخرى . فمضى الصياد إلى الخازن وقبض منه ثمانية آلاف درهم ووضعها في جراب كان معه وحملها على كاهله وهمّ بالخروج ، فوقع من الجراب درهم واحد ، فوضع الصياد الجراب عن كاهله وانحنى على الدرهم والملك وشيرين ينظران إليه ، فقالت شيرين لخسرو : أرأيت إلى خسّة هذا الصياد وسفالته ، سقط منه درهم واحد فألقى عن عنقه ثمانية آلاف درهم ، وانحنى على ذلك الدرهم فأخذه ، ولم يسهل عليه أن يتركه فكان يأخذه بعض غلمان الملك . فحرد خسرو من ذلك ثم أعاد الصياد إليه وقال له : يا ساقط الهمّة ألست بإنسان ؟ وضعت مثل هذا المال عن