الغزالي

116

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

فإذا جفّت رطوبتها وقحلت نضارتها فلا تصلح حينئذ لسوى القلع ؛ وكذلك الإنسان ما دام عقله قويما ، وجسمه سليما ، وصحبته مباركة ، ومواصلته حسنة نافعة ، فإذا زال عقله ، وغلب عليه جهله ، فحينئذ لا يصلح للحياة ، ولا يستره غير الوفاة . وقال أنوشروان : كيف يسعني أن أخالف العقل ولا أفعل ما يأمرني به العقل ، وأنه ليس لملك ولا رعية خير من العقل ؟ فإن بضيائه يفرق بين المليح والقبيح ، والجيد والرديء ، والحق والباطل ، والصدق والكذب . قال بزرجمهر : شيئان لا يمكن وجودهما في شخص كاملين : العقل والشجاعة . حكمة : قال لقمان الحكيم : مهما كان الرجل عالما فإنه لا ينتفع بعلمه ما لم يكن العقل لعلمه مصاحبا . حكمة : سأل أنوشروان بزرجمهر : من تحب أن يكون أعقل الناس ؟ فقال : العدو إذا عاداني ؛ فقال : ولم ؟ قال : لآمن إساءته . وكل شيء إذا كثر هان إلّا العقل ، فإنه كلّما كان أكثر كان صاحبه أعزّ . حكمة : قيل لبزرجمهر : أي شيء لا بد للإنسان منه ولا مندوحة له عنه ؟ فقال : العقل . فقيل له : ما قدر العقل ؟ فقال : شيء لا يوجد في الإنسان كاملا كيف يعرف قدره . حكمة : قال بعض الحكماء : جميع الأشياء مفتقرة إلى العقل والعقل مفتقر إلى التجربة ، ولا غنى أعمّ من العقل ، ولا فقر أشدّ من الجهل ؛ وكل من كان علمه أكثر كانت حاجته إلى العقل أوفر ، والمرء في هذا كراع ضعيف معه قطيع كبير . يضرب للعالم الذي لا عقل له . حكمة : قالت العلماء : العقل أمير وله جنود ، وجنوده التمييز والحفظ والفهم . وسرور الروح العقل لأن به ثبات الجسم ، والروح سراج نوره العقل ثم ينبسط في جميع الجسد ، والعاقل لا يغتمّ أبدا لأنه لا يفعل ما يوجب الاغتمام ، ولا يشرع في أمر لا يجوز لمثله الاهتمام به .