الغزالي

113

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

واستنقذه منها ، وإن افتقر أغناه . وأول شيء يحتاج إليه البليغ ؛ العلم الممتزج بالعقل كما جاء في الحكاية : حكاية : يقال إنه ما كان في خلفاء بني العباس أعلم من المأمون في جميع العلوم ، فكان له في كل أسبوع يومان يجلس فيهما لمناظرة الفقهاء ، وكان يجتمع عنده الفقهاء والمناظرون ، والعلماء والمتكلّمون ، فدخل في بعض الأيام إلى مجلسه رجل غريب عليه ثياب بياض رثّة ، فجلس في أواخر الناس وقعد من وراء الفقهاء في مكان مجهول ، فلمّا ابتدءوا في المسائل ، وكان رسمهم يديرون المسألة على جماعة أهل المجلس فكل من وجد زيادة لطيفة أو نكتة غريبة ذكرها ، فدارت المسألة إلى أن وصلت إلى ذلك الرجل الغريب ، فتكلّم بكلام عجيب ، فاستحسنه المأمون فأمر أن يرفع إلى أعلى من ذلك الموضع . فلمّا دارت المسألة الثانية أجاب بجواب أحسن من أجوبة الفقهاء كلّهم فأمر أن يرفع إلى أعلى من تلك المرتبة . فلمّا وصلت الثالثة أجاب بجواب أحسن وأصوب من الجوابين الأولين ، فأمر المأمون أن يجلس قريبا منه . فلمّا انقضت المناظرة أحضر الماء وغسلوا أيديهم ، ثم أحضر الطعام فأكلوا ، ثم نهض الفقهاء وخرجوا ، وقرب المأمون ذلك الرجل وأدناه وطيّب قلبه ووعده بالإحسان إليه والإنعام عليه . ثم عبى مجلس الشراب ونضد ، وحضر الندماء الملاح ، وذات الراح . فلمّا وصل الدور إلى الرجل نهض قائما وقال : إن أذن أمير المؤمنين تكلّمت بكلمة واحدة . فقال : قل ما تشاء ! فقال : قد علم الرأي العالي زاده اللّه علوّا أن العبد كان في المجلس الشريف من مجاهيل الناس ووضعاء الجلاس ، وأن أمير المؤمنين بقدر يسير من العقل الذي أبداه جعله مرفوعا على درجة غيره ، وبلغ به الغاية التي لم تسم إليها همّته ، وأن العبد إذا شرب الشراب تباعد عنه العقل وقرب منه الجهل وسلب أدبه ، فعاد إلى تلك الدرجة ، ووقع في أعين الناس كما كان ذليلا ، فإن رأى الرأي العالي أن لا يفرّق بينه وبين ذلك القدر اليسير من العقل الذي أعزّه بعد الذلّة ، وكثّره بعد القلّة ، بمنّه وفضله وكرمه ، وسيادته وحسن شيمه ، فعل متطولا ، وأنعم متفضلا . فلمّا سمع المأمون منه ذلك مدحه وشكره وأجلسه في رتبته ووقره ، وأمر له بمائة ألف درهم ، وحمله على فرس ، وأعطاه ثياب تجمل . وكان كل مجلس يرفعه على جماعة الفقهاء حتى صار أرفع منهم درجة ، وأعلى منزلة . وإنّما أوردنا هذه الحكاية لأجل نعت العقل ؛ لأن العقل يوصل صاحبه إلى درجة عالية ، ومرتبة سامية ، وأن الجهل يحط صاحبه عن درجته ويهبط به من علوّ مكانته .