الغزالي
114
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
حكاية : يقال إنه جاء في بعض الأيام رجل إلى باب الخليفة المنصور ، فقال : أيها الحاجب أعلم أمير المؤمنين أن بالباب رجلا من أهل العلم واسمه عاصم ، وهو يذكر أنه كان في الزمن الماضي بينه وبين أمير المؤمنين صحبة مدة سنة وأكثر بالشام في التعليم والدرس ، وقد وصل الآن للسلام ، ولتجديد العهد بالإمام . فلمّا عرفه الحاجب أذن له ، فلمّا دخل وسلّم عليه ثقل قدومه ووصوله على قلب أبي الدوانيق لغثاثة منطقه وسوء أدبه ، فأجلسه وسأله وقال له : في أي حاجة قدمت ؟ فقال : لرؤية أمير المؤمنين بوسيلة تلك الصحبة القديمة ؛ فأمر له بألف درهم ؛ فأخذها الرجل وانصرف . ثم عاد بعد سنة أخرى وكان قد مات للمنصور ولد وهو جالس في العزاء ، فدخل الرجل وسلم عليه ودعا له ، فقال : فيم قدمت ؟ قال : أنا ذلك الرجل الذي كنت معك في الشام وقد قدمت معزيا برزيتك ، ومؤديا حق تعزيتك ، فأمر له بخمسمائة درهم ؛ فأخذها ثم عاد بعد سنة أخرى ، فلم يجد حجّة يحتجّ بها في الدخول ، إلّا أنه دخل في جملة الناس وسلّم ، فقال له الخليفة : لأي سبب وصلت ؟ فقال : أنا ذلك الرجل الذي كنت معك في الشام في التعليم والدرس وكتابة الأخبار واستماع الأحاديث ، وكنت قد كتبت معك دعاء الحاجة ، وأن كل من دعا به في حاجة قضى اللّه حاجته ، وقد ضاع مني ذلك الدعاء وقد أتيت أمير المؤمنين لأكتب نسخة ذلك الدعاء . فقال له المنصور : لا تتعب في طلب ذلك الدعاء فإنه غير مستجاب ، وإنني قد دعوت به منذ ثلاث سنين ليخلصني اللّه من صداعك فلم أخلص ، ولو كان مستجابا لتخلّصت منك ؛ فخجل ذلك الرجل لمّا سمع هذا الكلام . وإنّما أوردنا هذه الحكاية لأن الإنسان إذا كان عالما ولم يكن له عقل سقط جاهه ومرتبته . حكاية : كان في ذلك العصر وصل رجل من مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى المنصور بحكم الصداقة التي كانت بينهما قديما ، فلمّا صار خليفة الزمان قدم عليه ، ووفد إليه ، وكان الرجل عاقلا لبيبا ولم يكن عالما ، فلمّا رآه المنصور قرّبه وأدناه ، وأزلفه واستدعاه . فقال له الرجل : يا أمير المؤمنين أنا محب لك شديد المحبة والولاء ، مخلص في الطاعة والدعاء ، غير أنني لا أصلح لخدمة الملوك ، فكيف ينبغي أن أزورك بحيث لا يظهر مني سوء أدب ؟ فقال المنصور : أخّر الزيارة ، وإذا زرتني فاجعل بين زيارتك وانقطاعك مدة إذا غبت فيها لم أنسك ، وإذا حضرت لم أملّك ،