الغزالي

112

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

الباب السادس في شرف العقل والعقلاء إن اللّه سبحانه وتعالى خلق العقل على أحسن صورة وقال له أقبل فأقبل ، ثم قال له أدبر فأدبر ، فقال : وعزّتي وجلالي ما خلقت في خلقي شيئا أحسن منك ! بك آخذ وبك أعطي وبك أحاسب وبك أعاقب « 1 » . والدليل على صحة هذا أن اللّه تعالى على العباد شيئين وكلاهما موقوفان على العقل ، وهما الأمر والنهي ، كما جاء في محكم التنزيل قوله جلّ ذكره : فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ [ المائدة : 100 ، الطلاق : 10 ] . هم ذوو العقول . واشتقاق العقل من العقال ، والمعقل المنيع : القلعة على رأس الجبل لا يصل إليها يد أحد لامتناعها وقوتها وإحكامها . سئل حكيم الفرس : لم سمي العاقل عاقلا ؟ فقال : للعاقل أربع علامات يعرف بها ، وهي أن يتجاوز عن ذنب من ظلمه ، وأن يتواضع لمن دونه ، وأن يسابق إلى فعل الخير لمن هو أعلى منه ، وأن يذكر ربه دائما ، وأن يتكلّم عن العلم ويعرف منفعة الكلام في موضعه ، وإذا وقع في شدّة التجأ إلى اللّه تعالى . وكذلك الجاهل له علامات ، وهو أن يجور على الناس ويظلمهم ، ويعسف بمن دونه ، وأن يتكبّر على الزعماء والمتقدمين ، وأن يتكلّم بغير علم ، وأن يسكت عن خطأ ، وإذا وقع في شدّة أهلك نفسه ، وإذا رأى أعمال الخير لفت عنها وجهه . حكمة : قال سعيد بن جبير : ما رأيت للإنسان لباسا أشرف من العقل ، إن انكسر صحّحه ، وإن وقع أقامه ، وإن ذلّ أغناه . وإن سقط في هوّة جذبه بضبعه منها

--> ( 1 ) قال في كشف الخفاء [ جزء 2 - صفحة 1071 ] رقم 2075 - حديث : « لما خلق اللّه العقل فقال له : أقبل . فأقبل . قال له : أدبر . فأدبر . فقال : ما خلقت خلقا أشرف منك فبك آخذ وبك أعطي » : قال الزركشي : كذب موضوع باتفاق انتهى لكن قال السيوطي في الدرر : تابع الزركشي في ذلك ابن تيمية ، قال : وقد وجدت له أصلا صالحا أخرجه عبد اللّه بن أحمد في زوائد المسند عن الحسن يرفعه قال : « لما خلق اللّه العقل قال له : أقبل فأقبل ثم أدبر فأدبر قال : ما خلقت خلقا أحب إلي منك فبك آخذ وبك أعطي » وهذا مرسل جيد الإسناد وهو موصول . وفي معجم الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة بإسنادين ضعيفين . انتهى .