الجاحظ

20

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

وجملة القول أنا لا نعرف الخطب إلا للعرب والفرس . فأما الهند فإنما لهم معان مدونة ، وكتب مخلدة ، لا تضاف إلى رجل معروف ، ولا إلى عالم موصوف ، وإنما هي كتب متوارثة ، وآداب على وجه الدهر سائرة مذكورة . ولليونانيين فلسفة وصناعة منطق ، وكان صاحب المنطق نفسه بكيّ اللسان ، غير موصوف بالبيان ، مع علمه بتمييز الكلام وتفصيله ومعانيه ، وبخصائصه . وهم يزعمون أن جالينوس كان أنطق الناس ، ولم يذكروه بالخطابة ، ولا بهذا الجنس من البلاغة ، وفي الفرس خطباء ، إلا أن كل كلام للفرس ، وكل معنى للعجم ، فإنما هو عن طول فكرة وعن اجتهاد رأي ، وطول خلوة ، وعن مشاورة ومعاونة ، وعن طول التفكر ودراسة الكتب ، وحكاية الثاني علم الأول ، وزيادة الثالث في علم الثاني ، حتى اجتمعت ثمار تلك الفكر عند آخرهم . وكلّ شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال ، وكأنه إلهام ، وليست هناك معاناة ولا مكابدة ، ولا إجالة فكر ولا استعانة ، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام ، وإلى رجز بوم الخصام ، أو حين يمتح على رأس بئر ، أو يحدو ببعير ، أو عند المقارعة أو المناقلة ، أو عند صراع أو في حرب ، فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب ، وإلى العمود الذي إليه يقصد ، فتأتيه المعاني إرسالا « 1 » ، وتنثال الألفاظ انثيالا ، ثم لا يقيّده على نفسه ، ولا يدرسه أحدا من ولده . وكانوا أميين لا يكتبون ، ومطبوعين لا يتكلفون ، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر ، وهم عليه أقدر ، وله أقهر ، وكل واحد في نفسه أنطق ، ومكانه من البيان أرفع ، وخطباؤهم للكلام أوجد ، والكلام عليهم أسهل ، وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ ، ويحتاجوا إلى تدارس ، وليس هم كمن حفظ علم غيره ، واحتذى على كلام من كان قبله ، فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم ، والتحم بصدورهم ، واتصل بعقولهم ، من غير تكلّف ولا قصد ، ولا تحفظ ولا طلب . وإن شيئا هذا الذي في أيدينا جزء منه لبالمقدار الذي لا يعلمه إلا من أحاط بقطر السحاب وعدد التراب ، وهو اللّه الذي يحيط بما كان ، والعالم بما سيكون .

--> ( 1 ) ارسالا : أفواجا .