الجاحظ

21

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

ونحن - أبقاك اللّه - إذا دعينا للعرب أصناف البلاغة من القصيد والإرجاز ، ومن المنثور والإسجاع ، ومن المزدوج وما لا يزدوج ، فمعنا العلم أن ذلك لهم شاهد صادق من الديباجة الكريمة ، والرونق العجيب ، والسبك والنحت ، الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم ، ولا أرفعهم في البيان أن يقول مثل ذلك إلا في اليسير ، والنبذ القليل . ونحن لا نستطيع أن نعلم أن الرسائل التي بأيدي الناس للفرس ، أنها صحيحة غير مصنوعة ، وقديمة غير مولّدة ، إذ كان مثل ابن المقفع وسهل بن هارون ، وأبي عبيد اللّه ، وعبد الحميد وغيلان ، يستطيعون أن يولدوا مثل تلك الرسائل ، ويصنعوا مثل تلك السير . وأخرى : أنك متى أخذت بيد الشعوبي فأدخلته بلاد الأعراب الخلّص ، ومعدن الفصاحة التامة ، ووقفته على شعر مفلق ، أو خطيب مصقع ، علم أن الذي قلت هو الحق ، وأبصر الشاهد عيانا . فهذا فرق ما بيننا وبينهم . فتفهّم عني ، فهمك اللّه ، ما أنا قائل في هذا ، ثم اعلم أنك لم تر قوما قط أشقى من هؤلاء الشعوبية ولا أعدى على دينه ، ولا أشد استهلاكا لعرضه ، ولا أطول نصبا ، ولا أقل غنما من أهل هذه النحلة . وقد شفى الصدور منهم طول جثوم الحسد على أكبادهم ، وتوقد نار الشنآن في قلوبهم ، وغليان تلك المراجل الفائرة ، وتسعّر تلك النيران المضطرمة . ولو عرفوا أخلاق أهل كل ملة ، وزيّ أهل كل لغة وعللهم ، على اختلاف شاراتهم « 1 » وآلاتهم ، وشمائلهم وهيئاتهم ، وما علة كل شيء من ذلك ، ولم اجتلبوه ولم تكلفوه ، لأراحوا أنفسهم ، ولخفت مئونتهم على من خالطهم . [ عصا سليمان وعصا موسى ] والدليل على أن أخذ العصا مأخوذ من أصل كريم ، ومعدن شريف ، ومن المواضع التي لا يعيبها إلا جاهل ، ولا يعترض عليها إلا معاند ، اتخاذ

--> ( 1 ) شاراتهم : هيئاتهم .