الجاحظ

41

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

على النار ، ما فيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم ، من الأمور العظام ينبت فيها الصغير ، ولا ينحاش « 1 » عنها الكبير ، كأنكم لم تقرءوا كتاب اللّه ، ولم تسمعوا ما أعدّ اللّه من الثواب الكريم لأهل طاعته ، والعذاب الأليم لأهل معصيته ، في الزمن السرمد الذي لا يزول ، أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا ، وسدّت مسامعه الشهوات ، واختار الفانية على الباقية ، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الاسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله ، وهذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر ، والعدد غير قليل . ألم تكن منهم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار ؟ ! أقربتم القرابة ، وباعدتم الدين ، تعتذرون بغير العذر ، وتغضون على المختلس . أليس كل امرئ منكم يذب عن سفيهه ، صنع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا . ما أنتم بالحلماء ، ولقد اتبعتم السفهاء ، فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الاسلام ، ثم اطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب . حرام عليّ الطعام والشراب حتى أسوّيها بالأرض ، هدما واحراقا . إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوّله : لين في غير ضعف ، وشدة في غير عنف . وإني أقسم باللّه لآخذنّ الولي بالولي ، والمقيم بالظاعن ، والمقبل بالمدبر ، والمطيع بالعاصي ، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم ، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول : أنج سعد فقد هلك سعيد ، أو تستقيم لي قناتكم . إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة ، فإذا تعلقتم عليّ بكذبة فقد حلت لكم معصيتي ، وإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيّ « 2 » واعلموا أن عندي أمثالها . من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب منه . فإياي ودلج الليل ، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه . وقد أجلتكم في ذلك بمقدار ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم . وإيّاي ودعوة الجاهلية ، فإني لا آخذ داعيه بها إلا قطعت لسانه . وقد أحدثتم احداثا لم تكن ، وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة : فمن غرّق قوما غرّقناه ، ومن أحرق قوما أحرقناه ، ومن نقب بيتا نقبنا عن قلبه ، ومن نبش

--> ( 1 ) انحاش : نفر ، ارتد . ( 2 ) اغتمز : استضعف .