الجاحظ

42

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

قبرا دفناه فيه حيا . فكفوا عني أيديكم وألسنتكم ، أكف عنكم يدي ولساني . ولا تظهر على أحد منكم ريبة بخلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه وقد كانت بيني وبين أقوام أحن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي ، فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا ، ومن كان منكم مسيئا فلينزع عن إساءته . إني واللّه لو علمت أن أحدكم قد قتله السلّ من بغضي لم أكشف له قناعا ، ولم أهتك له سترا ، حتى يبدي لي صفحته ، فإذا فعل ذلك لم أناظره . فاستأنفوا أموركم ، وأرعوا « 1 » على أنفسكم ، فرب مسوء بقدومنا سنسرّه ومسرور بقدومنا سنسوؤه . أيها الناس ، أنّا أصبحنا لكم سادة ، وعنكم ذادة ، نسوسكم بسلطان اللّه الذي أعطانا ، ونذود عنكم بفيء اللّه الذي خولنا . فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أخببنا ، ولكم علينا العدل والانصاف فيما ولينا . فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا ، واعلموا إني مهما قصّرت عنه فلن أقصّر عن ثلاث : لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقا بليل ، ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن ابانه ، ولا مجمرا لكم بعثا . فادعوا اللّه بالصلاح لأئمتكم ، فإنهم ساستكم المؤدبون ، وكهفكم الذي إليه تأوون ، ومتى يصلحوا تصلحوا . ولا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك غيظكم ، ويطول له حزنكم ، ولا تدركوا به حاجتكم ، مع أنه لو استجيب لكم فيه لكان شرا لكم . أسأل اللّه أن يعين كلا على كل . وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على إذلاله وأيم اللّه أن لي فيكم لصرعى كثيرة ، فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي . قال : فقام إليه عبد اللّه بن الأهتم فقال : أشهد أيها الأمير ، لقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب . فقال له : كذبت ، ذلك نبي اللّه داود صلّى اللّه عليه وسلّم . فقام الأحنف بن قيس فقال : أيها الأمير ، إنما المرء بجدّه ، والجواد بشدّه وقد بلغك جدك أيها الأمير ما ترى ، وإنما الثناء بعد البلاء ، والحمد بعد العطاء ، وأنا لن نثني حتى نبتلي . فقال زياد : صدقت .

--> ( 1 ) الارعاء : الرفق ، الايفاء .