الجاحظ
176
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
دابتي ، ولامست ركبته ركبتي ، ولا شاورت الناس في أمر قط إلا سبقهم إلى الرأي فيه . وكان على شرط زياد ، عبد اللّه بن حصن التغلبي ، صاحب مقبرة بني حصن ، والجعد بن قيس النميري صاحب طاق الجعد ، وكانا يتعاقبان مجلس صاحب الشرطة ، فإذا كان يوم حمل الحربة سارا بين يديه معا ، فجرى بينهما كلام وهما يسيران بين يديه ، فكان صوت الجعد أرفع وصوت عبد اللّه أخفض ، فقال زياد لصاحب حرسه : تناول الحربة من يد الجعد ، ومره بالانصراف إلى منزله . وعدا رجل من أهل العسكر بين يدي المأمون ، فلما انقضى كلامه قال له بعض من يسير بقربه : يقول لك أمير المؤمنين : اركب . قال المأمون : لا يقال لمثل هذا اركب ، إنما يقال لمثل هذا انصرف . وكان الفضل بن الربيع يقول : مسألة الملوك عن حالهم من تحية النوكى . فإذا أردت أن تقول : كيف أصبح الأمير فقل : صبح اللّه الأمير بالكرامة والنعمة ! وإذا أردت أن تقول : كيف يجد الأمير نفسه فقل : انزل اللّه على الأمير الشفاء والرحمة ! والمسألة توجب الجواب ، فإن لم يجبك اشتد عليك ، وإن أجابك اشتدّ عليه . وقال محمد بن الجهم : دخلت على المأمون فقال لي : ما زال أمير المؤمنين إليك مشتاقا ! فلم أدر جواب هذه الكلمة بعينها ، وأخذت لا أقصر فيما قدرت عليه من الدعاء ثم الثناء . قال أبو الحسن : قال ابن جابان : قال المهدي : كان شبيب بن شيبة يسايرني في طريق خراسان ، فيتقدمني بصدر دابته فقال لي يوما : « ينبغي لمن ساير خليفة أن يكون بالموضع الذي إذا أراد الخليفة أن يسأله عن شيء لا يلتفت إليه ، ويكون من ناحية إن التفت لم تستقبله الشمس » . قال : فبينما نحن كذلك إذ انتهينا إلى مخاضة ، فأقحمت دابتي ، ولم يقف واتبعني ، فملأ ثيابي ماء وطينا . قال : فقلت : يا أبا معمر ، ليس هذا في الكتاب ؟