الجاحظ
175
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
وكان وكيع بن الدورقيّة يحمّق « 1 » ، قال الوليد بن هشام القحذميّ أبو عبد الرحمن ، قال : أخبرني أبي ، قال : لما قدم أمية خراسان قيل له : لم لا تدخل وكيع بن الدورقية في صحابتك ؟ قال : هو أحمق . فركب يوما وسايره فقال : ما أعظم رأس برذونك ! قال : قد كفاك اللّه حمله . ثم سايره قليلا فقال : أصلحك اللّه ، أرأيت يوم لقيت أبا فديك ما منعك أن تكون قد قدمت رجلا وأخرت رجلا ، وداعست بالرمح حتى يفتح اللّه عليك ؟ قال : أغرب قبّحك اللّه ! وامر فنحّي . وساير سعيد بن سلم موسى أمير المؤمنين ، والحربة في يد عبد اللّه بن مالك ، وكانت الريح تسفي التراب الذي تثيره دابة عبد اللّه بن مالك في وجه موسى ، وعبد اللّه لا يشعر بذلك ، وموسى يحيد عن سنن التراب ، وعبد اللّه فيما بين ذلك يلحظ موضع مسير موسى ، فيتكلف أن يسير على محاذاته ، وإذا حاذاه ناله ذلك التراب ، فلما طال ذلك عليه أقبل على سعيد بن سلم فقال : ألا ترى ما نلقى من هذا الحائن « 2 » في مسيرنا هذا ؟ قال : واللّه يا أمير المؤمنين ما قصر في الاجتهاد ، ولكنه حرم التوفيق . وساير البطريق الذي خرج إلى المعتصم من سور عمّوريّة « 3 » ، محمّد ابن عبد الملك ، والأفشين بن كاوس ، فساوم كل واحد منهما ببرذونه ، وذكر أنه يرغبهما أو يربحهما . فإذا كان هذا أدب البطريق ، مع محله من الملك والمملكة ، فما ظنك بمن هو دونه منهم ! ولما استجلس المعتصم بطريق خرشنة ، تربّع ثم مد رجليه . وقال زياد : ما قرأت مثل كتب الربيع بن زياد الحارثي ، ما كتب إليّ إلا في اجترار منفعة ، أو دفع مضرة ، وما كان في موكبي قط فتقدم عنان دابته عنان
--> ( 1 ) وكيع ابن الدورقية نسبة إلى بلد أمه دورق بخوزستان . أحد رجال عبد الملك بن مروان . ( 2 ) الحائن : الهالك . ( 3 ) بلد من بلاد الروم ، غزاه المعتصم سنة 223 وافتتحه .