الجاحظ
139
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
وكان يقال : ما بعد الصواب إلا الخطأ ، وما بعد منعهن من الأكفاء إلا بذلهن للسّفلة والغوغاء . وكان يقال : لا تطلبوا الحاجة إلى ثلاثة : إلى كذوب ، فإنه يقربها وإن كانت بعيدة ، ويباعدها وإن كانت قريبة . ولا إلى أحمق ، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك . ولا إلى رجل له إلى صاحب الحاجة حاجة ، فإنه يجعل حاجتك وقاية لحاجته . وكان الأحنف بن قيس يقول : لا مروءة لكذوب ، ولا سؤدد لبخيل ، ولا ورع لسيئ الخلق . وقال الشعبي : عليك بالصدق حيث ترى أنه يضرك ، فإنه ينفعك . واجتنب الكذب في موضع ترى أنه ينفعك ، فإنه يضرك . وقالوا : لا تصرف حاجتك إلى من معيشته من رؤوس المكاييل ، وألسنة الموازين . وقالوا : تفرد اللّه عز وجل بالكمال : ولم يبرئ أحدا من النقصان . قالوا : وقال عامر بن الظّرب العدواني : « يا معشر عدوان ، إن الخير أنوف عزوف ، ولن يفارق صاحبه حتى يفارقه . وإني لم أكن حليما حتى اتبعت الحلماء ، ولم أكن سيدكم حتى تعبدت لكم » . وقال الأحنف : « لأن أدعى من بعيد ، أحبّ إلي من أن أقصى من قريب » . وكان يقال : إياك وصدر المجلس وإن صدّرك صاحبه ، فإنه مجلس قلعة « 1 » .
--> ( 1 ) القلعة : الارتحال .