الجاحظ

140

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

قال : وقال زياد : ما أتيت مجلسا قط إلا تركت منه ما لو أخذته كان لي . وترك ما لي ، أحب إلي من أخذ ما ليس لي . وقال الأحنف : ما كشفت أحدا عن حالي عنده إلا وجدتها دون ما كنت أظن . قال : وأثنى رجل على علي بن أبي طالب فأفرط ، وكان علي له متهما ، فقال : أنا دون ما تقول ، وفوق ما في نفسك . قال : وكان يقال : خمس خصال تكون في الجاهل : الغضب في غير غضب ، والكلام في غير نفع ، والعطية في غير موضع ، والثقة بكل أحد ، وألا يعرف صديقه من عدوه . وأثنى أعرابي على رجل فقال : إن خيرك لسريح ، وإن منعك لمريح ، وإن رفدك لربيح . وقال سعيد بن سلم : كنت واليا بأرمينية ، فغبر أبو دهمان الغلابي على بابي أياما ، فلما وصل إلي مثل يدي قائما بين السّماطين وقال : « واللّه إني لأعرف أقواما لو علموا أن سفّ التراب يقيم من أود أصلابهم لجعلوه مسكة لأرماقهم ، إيثارا للتنزه عن عيش رقيق الحواشي . أما واللّه إني لبعيد الوثبة ، بطيء العطفة . وإنه واللّه ما يثنيني عليك إلا مثل ما يصرفني عنك . ولأن أكون مقلا مقربا أحب إلي من أن أكون مكثرا مبعدا . واللّه ما نسأل عملا لا نضبطه ، ولا مالا إلا ونحن أكثر منه . وهذا الأمر الذي صار إليك وفي يديك ، قد كان في يديّ غيرك ، فأمسوا واللّه حديثا ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر . فتحبب إلى عباد اللّه بحسن البشر ، ولين الجانب ، فإن حبّ عباد اللّه موصول بحب اللّه ، وبغضهم موصول ببغض اللّه ، لأنهم شهداء اللّه على خلقه ، ورقباؤه على من عاج عن سبيله » . ودخل عتبة بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، على خالد ابن عبد اللّه القسري بعد حجاب شديد ، وكان عتبة سخيا ، فقال خالد يعرّض