الجاحظ
114
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
وسمع مؤرّج البصري رجلا يقول : أمير المؤمنين يردّ على المظلوم . فرجع إلى مصحفه فرد على براءة : « بسم اللّه الرحمن الرحيم » . وكان عبد الملك بن مروان في مرضه الذي مات فيه يعطش ، وقيل له : إن شربت الماء مت . فأقبل ذات يوم بعض العوّد ، فقال : كيف حال أمير المؤمنين ؟ فقال : أنا صالح والحمد للّه . ثم أنشأ يقول : ومستخبر عنا يريد بنا الردى * ومستخبرات والدموع سواجم ويلكم اسقوني ماء وإن كان فيه تلف نفسي . فشرب ثم مات . وكان حبيب بن مسلمة الفهريّ رجلا غزّاء للترك ، فخرج ذات مرة إلى بعض غزواته ، فقالت له امرأته : أين موعدك ؟ قال : سرادق الطاغية أو الجنة إن شاء اللّه . قالت : إني لأرجو أن أسبقك إلى أيّ الموضعين كنت به . فجاء فوجدها في سرادق الطاغية تقاتل الترك . ولما مدح الكميت بن زيد الأسدي مخلّد بن يزيد بن المهلب ، فقال له ابن بيض : إنك يا أبا المستهلّ لكجالب التمر إلى هجر ! قال : نعم ، ولكن تمرنا أجود من تمركم . وكان السيد الحميري « 1 » مولعا بالشراب ، فمدح أميرا من أمراء الأهواز ، ثم صار اليه بمديحه له ، فلم يصل إليه . وأغبّ الشراب ، فلما كان ذات يوم شرب ثم وصل إليه ، فجلس من بعد ، فقرّبه وشمّ منه ريح الشراب فقال : ما كنت أظن أبا هاشم يفعل هذا ، ولكن يحتمل لمادح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أكثر من هذا - يمازحه - ثم قال : يا جارية هلمي الدواة . ثم كتب إلى بعض وكلائه : ادفع إلى أبي هاشم مائتي دورق ميبختجا « 2 » . فقال السيد : لقد كنت أظن الأمير أبلغ ما هو . قال : وأي شيء رأيت من العي ؟ قال : جمعك بين حرفين
--> ( 1 ) السيد الحميري هو إسماعيل بن محمد بن يزيد الحميري مات في خلافة هارون الرشيد ، وكان شاعرا متشيعا يذهب مذهب الكيسانية الموالين لمحمد بن الحنفية . ( 2 ) مسختجا : كلمة فارسية معناها النبيذ المطبوخ .