الجاحظ
101
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
الحليم فينهاه . قال : كم أتت عليك سنة ؟ قال : خمسون وثلاثمائة . قال : فما أدركت ؟ قال : أدركت سفن البحر ترفأ إلينا في هذا الجرف ، ورأيت المرأة من أهل الحيرة تأخذ مكتلها على رأسها ولا تتزود إلا رغيفا وغحدا ، فلا تزال في قرى مخصبة متواترة حتى ترد الشام . ثم قد أصبحت خرابا يبابا ، وذلك دأب اللّه في العباد والبلاد . قال : وأتى أزهر بن عبد الحارث رجل من بني يربوع ، فقال : ألا أدخل ؟ قال : وراءك أوسع لك . قال : قد أحرقت الشمس رجلي . قال : بل عليهما تبردا . فقال : يا آل يربوع ! قال : ذليلا دعوت . يا بني دريص ، أطعمتكم عاما أو جلّة ، فأكلتم جلتكم ، وأغرتم على جلة الضيفان . وقال الحجاج لرجل من الخوارج : أجمعت القرآن ؟ قال : أمتفرقا كان فأجمعه . قال : أتقرؤه ظاهرا ؟ قال : بل أقرؤه وأنا انظر إليه . قال : أفتحفظه ؟ قال : أخشيت فراره فأحفظه . قال : ما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك ؟ قال : لعنه اللّه ولعنك معه . قال : إنك مقتول فكيف تلقى اللّه ؟ . قال : ألقى اللّه بعملي وتلقاه أنت بدمي . وقال لقمان لابنه وهو يعظه : يا بني ، أزحم العلماء بركبتيك ، ولا تجادلهم فيمقتوك ، وخذ من الدنيا بلاغك ، وأبق فضول كسبك لآخرتك ، ولا ترفض الدنيا كلّ الرفض فتكون عيالا ، وعلى أعناق الرجال كلّا ، وصم صوما يكسر شهوتك ، ولا تصم صوما يضر بصلاتك ، فإن الصلاة أفضل من الصوم ، وكن كالأب لليتيم ، وكالزوج للأرملة ، ولا تحاب القريب ، ولا تجالس السفيه ، ولا تخالط ذا الوجهين البتة . وسمع الأحنف رجلا يطري يزيد عند معاوية ، فلما خرج من عنده اسحنفر « 1 » في ذمهما ، فقال له الأحنف : مه ، فإن ذا الوجهين لا يكون عند اللّه وجيها .
--> ( 1 ) اسحنفر : مضى .