الجاحظ

75

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

فتفقد النصف الأخير من هذا البيت ، فإنك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ من بعض . وأنشدني أبو العاصي قال : أنشدني خلف الأحمر في هذا المعنى : وبعض قيض القوم أولاد علة * يكد لسان الناطق المتحفظ « 1 » وقال أبو العاصي : وأنشدني في ذلك أبو البيداء الرياحي : وشعر كبعر الكبش فرق بينه * لسان دعي في القريض دخيل أما قول خلف : وبعض قريض القوم أولاد علة فإنه يقول : إذا كان الشعر مستكرها ، وكانت ألفاظ البيت من الشعر لا يقع بعضها مماثلا لبعض ، كان بينها من التنافر ما بين أولاد العلات . وإذا كانت الكلمة ليس موقعها إلى جنب أختها مرضيا موافقا ، كان على اللسان عند إنشاد ذلك الشعر مئونة . قال : وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء ، سهل المخارج ، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ واحدا ، وسبك سبكا واحدا ، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان . وأما قوله « كبعر الكبش » ، فإنما ذهب إلى أن بعر الكبش يقع متفرقا غير مؤتلف ولا متجاور . وكذلك حروف الكلام وأجزاء البيت من الشعر ، تراها متفقة ملسا ولينة المعاطف سهلة ، وتراها مختلفة متباينة ، ومتنافرة مستكرهة ، تشق على اللسان وتكده ، والأخرى تراها سهلة لينة ، ورطبة مواتية ، سلسة النظام ، خفيفة على اللسان ، حتى كأن البيت بأسره كلمة واحدة ، وحتى كأن الكلمة بأسرها حرف واحد .

--> ( 1 ) أولاد علة : بنو رجل واحد من أمهات شتى .