الجاحظ

72

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

وقال أهل التجربة : إذا كان في اللحم الذي فيه مغارز الأسنان تشمير وقصر سمك « 1 » ذهبت الحروف وفسد البيان . وإذا وجد اللسان من جميع جهاته شيئا يفرعه ويصكه ، ولم يمر في هواء واسع المجال ، وكان لسانه يملأ جوبة فمه ، لم يضره سقوط أسنانه إلا بالمقدار المغتفر ، والجزء المحتمل . ويؤكد ذلك قول صاحب المنطق « 2 » ، فإنه زعم في كتاب الحيوان أن الطائر والسبع والبهيمة كلما كان لسان الواحد منها أعرض كان أفصح وأبين ، وأحكى لما يلقن ولما يسمع ، كنحو الببغاء والغداف وغراب البين ، وما أشبه ذلك ، وكالذي يتهيأ من أفواه السنانير إذا تجاوبت ، من الحروف المقطعة المشاركة لمخارج حروف الناس . وأما الغنم فليس يمكنها أن تقول إلا « ما » . والميم والباء أول ما يتهيأ في أفواه الأطفال ، كقولهم : ماما ، وبابا ، لأنهما خارجان من عمل اللسان ، وإنما يظهران بالتقاء الشفتين . وليس شيء من الحروف أدخل في باب النقص والعجز من فم الأهتم ، من الفاء والسين إذا كانا في وسط الكلمة فأما الضاد فليست تخرج إلا من الشدق الأيمن ، إلا أن يكون المتكلم أعسر يسرا ، مثل عمر بن الخطاب رحمه اللّه ، فإنه كان يخرج الضاد من أي شدقيه شاء . فأما الأيمن والأعسر والأضبط ، فليس يمكنهم ذلك إلا بالاستكراه الشديد . وكذلك الأنفاس مقسومة على المنخرين ، فحالا يكون في الاسترواح ودفع البخار من الجوف من الشق الأيمن ، وحالا يكون من الشق الأيسر ، ولا يجتمعان على ذلك في وقت إلا أن يستكره ذلك مستكره ، أو يتكلفه متكلف ، فأما إذا ترك أنفاسه على سجيتها لم تكن إلا كما قالوا . وقالوا : الدليل على أن من سقط جميع أسنانه أن عظم اللسان نافع له ، قول كعب بن جعيل ليزيد بن معاوية ، حين أمره بهجاء الأنصار ، فقال له :

--> ( 1 ) التشمير : التقليص . والسمك ، بالفتح : الارتفاع . ( 2 ) صاحب المنطق يعني به الفيلسوف اليوناني أرسطو وقد لقب بصاحب المنطق لأنه هو الذي أرسى أصول هذا العلم ووضع فيه كتابا ضخما ذكره الجاحظ في الحيوان وقال إنه عسير الفهم . أما كتاب الحيوان لأرسطو فقد اطلع عليه الجاحظ ورجع إليه كثيرا عندما ألف كتاب الحيوان .