الجاحظ

73

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

« أرادي أنت إلى الكفر بعد الإيمان ، لا أهجو قوما نصروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وآووه ، ولكني سأدلك على غلام في الحي ، كافر كأن لسانه لسان ثور » . يعني الأخطل . وجاء في الحديث : « إن اللّه تبارك وتعالى يبغض الرجل الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل الباقرة الخلا بلسانها » . قالوا : ويدل على ذلك قول حسان بن ثابت ، حين قال له النبي عليه السلام : « ما بقي من لسانك ؟ » . فأخرج لسانه حتى قرع بطرفه طرف أرنبته ، ثم قال : « واللّه إن لو وضعته على شعر لحلقه ، أو على صخر لفلقه ، وما يسرني به مقول من معد » . وأبو السمط مروان بن أبي الجنوب بن مروان بن أبي حفصة ، وأبوه وابنه في نسق واحد ، يقرعون بأطراف ألسنتهم أطراف أنفهم . وتقول الهند : لولا أن الفيل مقلوب اللسان لكان أنطق من كل طائر يتهيأ في لسانه كثير من الحروف المقطعة المعروفة . وقد ضرب الذين زعموا أن ذهاب جميع الأسنان أصلح في الإبانة عن الحروف من ذهاب الشطر أو الثلثين ، في ذلك مثلا ، فقالوا : الحمام المقصوص جناحاه جميعا أجدر أن يطير من الذي يكون جناحاه أحدهما وافرا والآخر مقصوصا . قالوا : وعلة ذلك التعديل والاستواء ، وإذا لم يكن ذلك كذلك ارتفع أحد شقيه وانخفض الآخر ، فلم يجذف ولم يطر . والقطا من الطير قد يتهيأ من أفواهها أن تقول : قطاقطا . وبذلك سميت ويتهيأ من أفواه الكلاب العينات والفاءات والواوات ، كنحو قولها : وو وو ، وكنحو قولها : عف عف . قال الهيثم بن عدي : قيل لصبي : من أبوك ؟ فقال : وو وو ، لأن أباه كان يسمى كلبا .