الجاحظ
249
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
« بسم اللّه الرحمن الرحيم . من عبد اللّه أمير المؤمنين يزيد بن الوليد ، إلى مروان بن محمد . أما بعد فإني أراك تقدّم رجلا وتؤخر أخرى ، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت . والسلام » . وهاهنا مذاهب تدل على أصالة الرأي ، ومذاهب تدل على تمام النفس ، وعلى الصلاح والكمال ، لا أرى كثيرا من الناس يقفون عليها . واستعمل عبد الملك بن مروان نافع بن علقمة بن نضلة ، بن صفوان بن محرّث خال مروان ، على مكة ، فخطب ذات يوم وأبان بن عثمان بحذاء المنبر ، فشتم طلحة والزبير ، فلما نزل قال لأبان : أرضيتك من المدهنين في أمير المؤمنين ؟ قال : لا واللّه ولكن سؤتني ، حسبي أن يكونا شركا في أمره . فما أدري أيهما أحسن كلاما : أبان بن عثمان هذا ، أم إسحاق بن عيسى ، فإنه قال : « أعيذ عليّا باللّه أن يكون قتل عثمان ، وأعيذ باللّه أن يقتله علي » . فمدح عليّا بكلام سديد غير نافر ، ومقبول غير وحشيّ ، وذهب إلى معنى الحديث في قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « أشد أهل النار عذابا من قتل نبيا أو قتله نبيّ » . يقول : لا يتفق أن يقتله نبي بنفسه إلا وهو أشدّ خلق اللّه معاندة وأجرؤهم على معصية . وقال هذا : لا يجوز أن يقتله علي إلا وهو مستحق للقتل . قال : خطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بعشر كلمات : حمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم ، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم . إن المؤمن بين مخافتين : بين عاجل قد مضى لا يدري ما اللّه صانع به ، وبين أجل قد بقي لا يدري ما اللّه قاض فيه . فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ، ومن دنياه لآخرته ، ومن الشبيبة قبل الكبرة ، ومن الحياة قبل الموت ، فوالذي نفس محمد بيده ، ما بعد الموت من مستعتب ، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار » .