الجاحظ
239
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
وقيل لبعض العرب : أي شيء تمنّى ، وأي شيء أحب إليك ؟ فقال : لواء منشور ، والجلوس على السرير ، والسلام عليك أيها الأمير » . وقيل لآخر ، وصلى ركعتين فأطال فيهما ، وقد كان أمر بقتله : أجزعت من الموت ؟ فقال : إن أجزع فقد أرى كفنا منشورا ، وسيفا مشهورا ، وقبرا محفورا . ويقال إن هذا الكلام تكلم به حجر بن عديّ الكنديّ عند قتله . وقال عبد الملك بن مروان لأعرابي : ما أطيب الطعام ؟ فقال : « بكرة سنمة ، معتبطة غير ضمنة ، في قدور رذمة ، بشفار خذمة ، في غداة شبمة » . فقال عبد الملك : وأبيك لقد أطيبت . معتبطة : منحورة من غير داء ، يقال اعتبط الإبل والغنم ، إذا ذبحت من غير داء . ولهذا قيل للدم الخالص عبيط . والعبيط : ما ذبح من غير علة . غير ضمنة : غير مريضة . رذمة : سائلة من امتلائها . بشفار خذمة : قاطعة . غداة شبمة : باردة . والشبم : البرد . وقالوا : « لا تغتر بمناصحة الأمير ، إذا غشك الوزير » . وقالوا : « من صادق الكتّاب أغنوه ، ومن عاداهم أفقروه » . وقالوا : « اجعل قول الكذاب ريحا ، تكن مستريحا » . وقيل لعبد الصّمد بن الفضل بن عيسى الرقاشي : لم تؤثر السجع على المنثور ، وتلزم نفسك القوافي وإقامة الوزن ؟ قال : إن كلامي لو كنت لا آمل فيه إلا سماع الشاهد لقلّ خلافي عليك ، ولكني أريد الغائب والحاضر ، والراهن والغابر ، فالحفظ إليه أسرع ، والآذان لسماعه أنشط ، وهو أحق بالتقييد وبقلة التفلّت . وما تكلمت به العرب من جيّد المنثور ، أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون ، فلم يحفظ من المنثور عشرة ، ولا ضاع من الموزون عشره . قالوا : فقد قيل للذي قال : يا رسول اللّه ، أرأيت من لا شرب ولا أكل ،