الجاحظ

240

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

ولا صاح واستهلّ ، أليس مثل ذلك يطلّ . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « أسجع كسجع الجاهلية » قال عبد الصمد : لو أن هذا المتكلم لم يرد إلا الإقامة لهذا الوزن ، لما كان عليه بأس ، ولكنه عسى أن يكون أراد إبطال حق فتشادق في الكلام . وقال غير عبد الصمد : وجدنا الشعر : من القصيد والرجز ، قد سمعه النبي صلّى اللّه عليه وآله فاستحسنه وأمر به شعراءه ، وعامة أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قد قالوا شعرا ، قليلا كان ذلك أم كثيرا ، واستمعوا واستنشدوا . فالسجع والمزدوج دون القصيد والرجز ، فكيف يحلّ ما هو أكثر ويحرم ما هو أقلّ . وقال غيرهما : إذا لم يطل ذلك القول ، ولم تكن القوافي مطلوبة مجتلبة ، أو ملتمسة متكلفة ، وكان ذلك كقول الأعرابي لعامل الماء : « حلّئت ركابي ، وخرّقت ثيابي ، وضربت صحابي » - حلّئت ركابي ، أي منعت إبلي من الماء والكلأ . والركاب : ما ركب من الإبل - قال : « أو سجع أيضا ؟ » . قال الأعرابي : فكيف أقول ؟ لأنه لو قال حلّئت إبلي أو جمالي أو نوقي أو بعراني أو صرمتي ، لكان لم يعبر عن حق معناه ، وإنما حلّئت ركابه ، فكيف يدع الركاب إلى غير الركاب . وكذلك قوله : وخرقت ثيابي ، وضربت صحابي . لأن الكلام إذا قل وقع وقوعا لا يجوز تغييره ، وإذا طال الكلام وجدت في القوافي ما يكون مجتلبا ، ومطلوبا مستكرها . ويدخل على من طعن في قوله : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ . وزعم أنه شعر ، لأنه في تقدير مستفعلن مفاعلن ، وطعن في قوله في الحديث عنه : « هل أنت إلا إصبع دميت ؟ وفي سبيل اللّه ما لقيت » - فيقال له : اعلم أنك لو اعترضت أحاديث الناس وخطبهم ورسائلهم ، لوجدت فيها مثل مستفعلن مستفعلن كثيرا ، ومستفعلن مفاعلن . وليس أحد في الأرض يجعل ذلك المقدار شعرا . ولو أن رجلا من الباعة صاح : من يشتري باذنجان ؟ لقد كان تكلم بكلام في وزن مستفعلن مفعولات . وكيف يكون هذا شعرا وصاحبه لم يقصد إلى الشعر ؟ ومثل هذا المقدار من الوزن قد يتهيأ في جميع الكلام . وإذا جاء المقدار الذي يعلم أنه من نتاج الشعر والمعرفة بالأوزان والقصد إليها ، كان ذلك شعرا . وهذا قريب ، والجواب سهل بحمد اللّه .