الجاحظ
176
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
فكيف تهاب منزلة الخطباء وداود عليه السلام سلفك ، وشعيب إمامك مع ما تلوناه عليك في صدر هذا الكتاب من القرآن الحكيم ، والآي الكريم . وهذه خطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مدونة محفوظة ، ومخلدة مشهورة ، وهذه خطب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، رضي اللّه عنهم . وقد كان لرسول اللّه شعراء ينافحون عنه وعن أصحابه بأمره ، وكان ثابت ابن قيس بن الشماس الأنصاري خطيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، لا يدفع ذلك أحد . فأما ما ذكرتم من الإسهاب والتكلف ، والخطل والتزيد ، فإنما يخرج إلى الإسهاب المتكلف ، وإلى الخطل المتزيد . فأما أرباب الكلام ، ورؤساء أهل البيان ، والمطبوعون المعددون ، وأصحاب التحصيل والمحاسبة ، والتوقي والشفقة ، والذين يتكلمون في صلاح ذات البين ، وفي إطفاء نائرة ، أو في حمالة « 1 » ، أو على منبر جماعة ، أو في عقد أملاك بين مسلم ومسلمة - فكيف يكون كلام هؤلاء يدعو إلى السلاطة والمراء ، وإلى الهذر والبذاء ، وإلى النفج والرياء . ولو كان هذا كما يقولون لكان علي ابن أبي طالب ، وعبد اللّه بن عباس أكثر الناس فيما ذكرتم . فلم خطب صعصعة بن صوحان عند علي بن أبي طالب ، وقد كان ينبغي للحسن البصري أن يكون أحقّ التابعين بما ذكرتم ؟ قال الأصمعي : قيل لسعيد بن المسيب « 2 » : هاهنا قوم نساك يعيبون إنشاد الشعر . قال : « نسكوا نسكا أعجميا » . وقد زعمتم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال : « شعبتان من شعب النفاق : البذاء ، والبيان . وشعبتان من شعب الإيمان : الحياء ، والعيّ » . ونحن نعوذ باللّه أن يكون القرآن يحث على البيان ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يحث على العيّ ، ونعوذ باللّه أن
--> ( 1 ) النائرة : العداوة والفتنة . الحمالة : الدية يحملها قوم عن قوم . ( 2 ) سعيد بن المسيب المخزومي القرشي ، فقيه كبير وراوية مشهور . توفي عام 94 ه .