الجاحظ
177
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
يجمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بين البذاء والبيان . وإنما وقع النهي على كل شيء جاوز المقدار ، ووقع اسم العي على كل شيء قصر عن المقدار . فالعي مذموم والخطل مذموم ، ودين اللّه تبارك وتعالى بين المقصر والغالي . وهاهنا روايات كثيرة مدخولة ، وأحاديث معلولة . رووا أن رجلا مدح الحياء عند الأحنف ، وأن الأحنف قال ثمّ : يعود ذلك ضعفا . والخير لا يكون سبا للشر . ولكننا نقول : إن الحياء اسم لمقدار من المقادير ما زاد على ذلك المقدار فسمه ما أحببت . وكذلك الجود اسم لمقدار من المقادير ، فالسرف اسم لما فضل عن ذلك المقدار . وللحزم مقدار ، فالجبن اسم لما فضل عن ذلك المقدار . وللاقتصاد مقدار ، فالبخل اسم لما خرج عن ذلك المقدار . وللشجاعة مقدار ، فالتهور والخدب اسم لما جاوز ذلك المقدار . وهذه أحاديث ليست لعامتها أسانيد متصلة ، فإن وجدتها متصلة لم تجدها محمودة ، وأكثرها جاءت مطلقة ليس لها حامل محمود ولا مذموم . فإذا كانت الكلمة حسنت استمتعنا بها على قدر ما فيها من الحسن . فإن أردت أن تتكلف هذه الصناعة ، وتنسب إلى هذا الأدب ، فقرضت قصيدة ، أو حبرت خطبة ، أو ألّفت رسالة ، فإياك أن تدعوك ثقتك بنفسك ، أو يدعوك عجبك بثمرة عقلك إلى أن تنتحله وتدعيه ، ولكن اعرضه على العلماء في عرض رسائل أو أشعار أو خطب ، فإن رأيت الأسماع تصغي له ، والعيون تحدج إليه ، ورأيت من يطلبه ويستحسنه ، فانتحله . فإن كان ذلك في ابتداء أمرك ، وفي أول تكلفك فلم تر له طالبا ولا مستحسنا ، فلعله أن يكون ما دام ريّضا قضيبا « 1 » ، أن يحل عندهم محل المتروك . فإذا عاودت أمثال ذلك مرارا ، فوجدت الأسماع عنه منصرفة ، والقلوب لاهية ، فخذ في غير هذه الصناعة ، واجعل رائدك الذي لا يكذبك حرصهم عليه ، أو زهدهم فيه .
--> ( 1 ) الريض : الذي ابتدأ في رياضته . القضيب : الذي لم يمهر في الرياضة .