الجاحظ
17
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
ليست الفصاحة لكم معاشر أهل البصرة لغة فصيحة ، إنما الفصاحة لنا أهل مكة . قال ابن مناذر : أما ألفاظنا فأحكى الألفاظ للقرآن وأكثرها له موافقة ، فضعوا القرآن بعد هذا حيث شئتم » « 1 » ويفهم من هذا أن الحكم في الخلاف بين فصاحة لغة أهل مكة والبصرة إنما هو القرآن . وكذلك الحال بالنسبة إلى لغة أهل البادية التي اعتبرت مرجعا في الفصاحة « وشأن عبد قيس عجب ، وذلك أنهم بعد محاربة إياد تفرقوا فرقتين : ففرقة وقعت في عثمان وشق عمان ، وهم خطباء العرب ، وفرقة وقعت إلى البحرين وشق البحرين وهم أشعر قبيل العرب ، ولم يكونوا كذلك حين كانوا في سرة البادية وفي معدن الفصاحة . وهذا عجب » « 2 » . بعد دراسة اللفظ المفرد نصل مع الجاحظ إلى اللفظ المركب ، ونلج باب البلاغة وقد استعرض صاحبنا مختلف التعريفات التي أعطيت للبلاغة ، وقارن بين مفاهيمها عند الفرس والهنود واليونان والعرب . وفي ذلك دليل على شمول ثقافته وبعد نظرته . وقد استقى مفهوم البلاغة عند الفرس من معاصره الفارسي الأصل سهل بن هارون ، واستقى مفهومها عند الهند من صحيفة بهلة الهندي معاصره أيضا ، وأخذ مفهومها عند العرب عن صحار بن عباش العبدي في كلام له مع معاوية الذي سأله عن البلاغة فقال : الإيجاز . والإيجاز يعني الإجابة دون خطأ أو إبطاء . كما استشهد عليها بقول بعض الأعراب الذي سئل عن البلاغة فقال : الإيجاز في غير عجز والإطناب في غير خطل « 3 » . ويفضل الجاحظ التعريف التالي للبلاغة : « وقال بعضهم - وهو أحسن ما اجتبيناه ودوناه - لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه ولفظه معناه ، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك » « 4 » . ومعنى ذلك أن الكلام
--> ( 1 ) المصدر ذاته ، ج 1 ، ص 17 . ( 2 ) المصدر ذاته ، ج 1 ، ص 70 . ( 3 ) المصدر ذاته ، ج 1 ، ص 64 - 70 . ( 4 ) المصدر ذاته ، ج 1 ، ص 81 .