الجاحظ

18

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

البليغ هو الكلام الذي يبلغ المعاني التي في رأس المتكلم إلى عقل السامع . ولا يتأتى له ذلك إلا إذا كان واضحا وعلى أقدار المعاني . وبذا يخالف الجاحظ مفهوم البلاغة السائد أي الإيجاز . إن الكلام البليغ ليس هو الكلام الموجز وليس الكلام المسهب بل الكلام المساوي للمعاني « وإنما الألفاظ على أقدار المعاني ، فكثيرها لكثيرها ، وقليلها لقليلها ، وشريفها لشريفها ، وسخيفها لسخيفها ، والمعاني المصغرة البائنة بصورها وجهاتها تحتاج من الألفاظ إلى أقل ما تحتاج إليه المعاني المشتركة والجهات الملتبسة » « 1 » . ومن شروط البلاغة موافقة الكلام لمقتضى الحال أو للموضوع الذي يجري فيه الكلام . « ويجب على المتكلم أن يوازن بين المعاني وأقدار المستمعين وأقدار الحالات فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ولكل حالة من ذلك مقاما » « 2 » . ومن شروط البلاغة متانة العبارة التي تعني ربط ألفاظ الجملة ببعضها ربطا محكما لا هلهلة فيه ولا خلل « فأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء سهل المخارج ، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ إفراغا وسبك سبكا واحدا ، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان » « 3 » . ومن شروط البلاغة الطبع ، وهو يعني الموهبة وعدم التكلف . وإذا كان الكلام صحيح الطبع بعيدا عن الاستكراه ومنزها عن الاختلال ، مصونا عن التكلف صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة . . » « 4 » وقد ركز الجاحظ على شرط الطبع عملا بفلسفته الطبيعية التي تفسر الفن كما تفسر المعرفة والأخلاق بالطباع كما صدر في جميع آرائه عن مذهبه الاعتزالي الوسطي المنزلة بين المنزلتين - وطبق ذلك على البلاغة والفصاحة ، فاعتبر خير الكلام ما وقع وسطا بين الوحشي والسوقي ، وما وقع وسطا بين الإيجاز والإطناب .

--> ( 1 ) الجاحظ ، الحيوان ، ج 6 ، ص 8 . ( 2 ) الجاحظ ، البيان والتبيين ، غ 1 ، ص 97 . ( 3 ) المصدر ذاته ، ج 1 ، ص 50 . ( 4 ) المصدر ذاته ، ج 1 ، ص 61 .